تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 531)جامع البيانالطبري١٣/٥٣١: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والسدي: أن المعنى: وإن تولى هؤلاء المشركون فأعرضوا عن الإيمان والانتهاء، وأصروا على الشرك والقتال ومحاربة دعوة التوحيد، فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تخافوا كثرتهم وعُدتهم؛ بل اعلموا واثبتوا وتيقنوا أن الله هو وليكم وناصركم وحافظكم؛ فنعم المولى هو لمن تولاه ولجأ إلى جنابه، ونعم النصير لمن استنصره وتوكل عليه؛ ومن كان الله مولاه ونصره فلن يغلبه أحد من العالمين.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 57)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٧: يوضح ابن كثير أن هذا ختام بديع مشرق للجزء الأول والعهد الجهادي من سورة الأنفال؛ يملأ قلوب المجاهدين سكينة ويقيناً؛ فإن تولي الأعداء وإعراضهم لا يضر الحق شيئاً ما دام العلي العظيم هو المولى والنصير؛ وهو كافٍ أولياءه كل كيد وعدوان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَوَلَّوْا}: التولي هنا الإعراض والصد عن قبول الحق والإصرار على العداوة.
{مَوْلَاكُمْ}: المولى في كلام العرب يطلق على معانٍ متعددة: السيد، الناصر، المحب، الحليف، القريب؛ والمراد هنا: السيد القادر الناصر المتولي لأموركم وتأييدكم.
{نِعْمَ}: فعل ماض جامد لإنشاء المدح العام التام.
{النَّصِيرُ}: فعيل صيغة مبالغة من الناصر، وهو المعين الذي يدفع الظلم ويجلب الظفر والغلبة.
الإعراب والتركيب:
{وَإِن}: الواو عاطفة، إن حرف شرط جازم.
{تَوَلَّوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، في محل جزم فعل الشرط، والواو ضمير متصل فاعل.
{فَاعْلَمُوا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، اعلموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب بالفتحة.
{مَوْلَاكُمْ}: خبر أنّ مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي اعلموا.
{نِعْمَ}: فعل ماض جامد لإنشاء المدح مبني على الفتح.
{الْمَوْلَىٰ}: فاعل نعم مرفوع بضمة مقدرة على الألف، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره (الله)، والجملة استئنافية لا محل لها لإنشاء المدح.
{وَنِعْمَ}: الواو عاطفة، نعم فعل ماض للمدح.
{النَّصِيرُ}: فاعل نعم مرفوع بالضمة، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره (الله)، والجملة معطوفة على ما قبلها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك ختام لنصف سورة الأنفال الأول:
بدأت سورة الأنفال بأمر المؤمنين بتقوى الله وإصلاح ذات البين وطاعة الرسول عند الاختلاف في الغنائم {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}.
ثم استعرضت ملحمة بدر، ونزول الملائكة، وتثبيت النعاس والمطر، وضرب الأعناق والبنان، ومكر دار الندوة، وشبهات المستهزئين، وأمرت بقتالهم حتى لا تكون فتنة.
وجاء ختام هذا الشوط الجهادي العظيم بالاطمئنان المطلق إلى ولاية الله ونصرته: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.
فإذا علم المؤمنون أن الله مولاهم ونصيرهم هانت عليهم كل قوة أرضية، وتطامنت نفوسهم بالرضا التام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجمع بين قوله: {نِعْمَ النَّصِيرُ} ووقوع الهزيمة في بعض المعارك كأُحُد وحنين:
كيف يكون الله نعم النصير وقد تنزل الهزيمة أحياناً بجيش المسلمين؟
الدفع والمحاكمة السننية والعقدية المحكمة:
نصرة الله لأوليائه وعد حق لا يتخلف، ولكن هذه النصرة مشروطة بالوفاء بشروطها الشرعية؛ فإذا حقق المؤمنون شروط الإيمان والثبات والطاعة كما في بدر كان الله نعم النصير لهم وفتح عليهم نصراً مؤزراً؛ وإذا قصروا وعصوا الرماة وتنازعوا كما في أحد، أو أعجبتهم كثرتهم كما في حنين، تخلى النصر عنهم تربيةً لهم وتمحيصاً وتأديباً ليعودوا إلى تصحيح المسار؛ فالخلل في وقوع الهزيمة ليس من جهة الناصر سبحانه وتعالى، بل من جهة تقصير العباد في استيفاء شروط الولاية والنصر؛ فالله نعم المولى ونعم النصير لمن أطاعه وتولاه حق التولي.
صيغة المدح العامة المطلقة بـ {نِعْمَ}: الدالة على استغراق كل معاني الولاية والكمال والإحسان والنصرة؛ فلا ولاية كولايته ولا نصر كنصره.
الترتيب بين {الْمَوْلَىٰ} و{النَّصِيرُ}: الولاية هي المحبة والقرب والحفظ والكفاية، والنصرة هي ثمرة الولاية عند ملاقاة العدو في الميدان؛ فقدم الأصل وهو الولاية وعقب بالفرع وهو النصرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عزة المؤمن بولاية الله: من استشعر أن خالق السماوات والأرض مولاه وناصره استصغر كل طواغيت الأرض؛ واستعلى بإيمانه عن التزلف للأعداء أو الركون إلى الذين ظلموا.
التفويض والاطمئنان: إذا أدى المؤمن ما عليه من البلاغ والجهاد والأمر بالمعروف وتولى المعاندون، فليفوض أمره إلى الله بقلب مطمئن مردداً في كل صباح ومساء: {حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.