صحيح البخاري (كتاب التفسير، باب وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، حديث رقم 4514)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥١٤: روى البخاري عن نافع أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في فتنة ابن الزبير فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا}؟ فما يمنعك ألا تقاتل؟! فقال ابن عمر: يمنعني أن الله حرم دم أخي! فقال: ألم يقل الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}؟! فقال ابن عمر: «قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان الإسلام قليلاً، فكان الرجل يُفتن في دينه إما قتلوه وإما عذبوه، حتى كثر الإسلام فـلم تكن فتنة وكان الدين لله؛ وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله!».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 527)جامع البيانالطبري١٣/٥٢٧: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}: أي حتى لا يكون شرك يُعبد معه غير الله، وحتى لا يُفتن مؤمن عن دينه بالاضطهاد والقهر، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}: أي تكون الكلمة العليا والسيادة والعبادة والشريعة لله وحده لا يشاركه فيها وثن ولا طاغوت؛ {فَإِنِ انتَهَوْا} عن الشرك والفتنة وكفوا أيديهم، {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه إخلاصهم من نفاقهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 56)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٦: يوضح ابن كثير حديث الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَقَاتِلُوهُمْ}: المقاتلة مفاعلة تدل على بذل الجهد والمواجهة بالسلاح لرد عدوان العدو وإعلاء كلمة الله.
{فِتْنَةٌ}: المراد بالفتنة هنا الشرك بالله، واضطهاد المؤمنين وتعذيبهم لصدهم عن دينهم كما كانت تفعل قريش في مكة.
{الدِّينُ كُلُّهُ}: الدين هو الطاعة والانقياد والعبادة والشريعة؛ وكونه كله لله أي لا يُدان لغير الله بتشريع مضاد ولا يُعبد سواه.
الإعراب والتركيب:
{وَقَاتِلُوهُمْ}: الواو عاطفة، قاتلوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به والميم علامة الجمع.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر.
{لَا}: حرف نفي.
{تَكُونَ}: فعل مضارع تام منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{فِتْنَةٌ}: فاعل مرفوع بالضمة لـ (تكون) التامة، أو اسمها وخبرها محذوف تقديره موجودة.
{وَيَكُونَ}: الواو عاطفة، يكون فعل مضارع ناقص منصوب معطوف على (تكون).
{الدِّينُ}: اسم يكون مرفوع بالضمة.
{كُلُّهُ}: توكيد معنوي لـ (الدين) مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون، والمصدر المؤول في محل جر بـ (حتى).
{فَإِنِ}: الفاء استئنافية، إن شرطية جازمة وحركت بالكسر للساكنين.
{انتَهَوْا}: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والواو فاعل.
{فَإِنَّ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم إن منصوب.
{بِمَا}: الباء حرف جر، (ما) اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ (بصير).
{يَعْمَلُونَ}: صلة الموصول.
{بَصِيرٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
القراءات المتواترة:
قرأ يعقوب الحضرمي: {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} بتاء الخطاب التفاتاً للمؤمنين (أي بصير بما تعملون من جهادهم والكف عنهم).
وقرأ الباقون من العشرة: {بِمَا يَعْمَلُونَ} بياء الغيبة إخباراً عن المشركين المنتهين؛ والجمع بينهما يفيض بالرقابة الإلهية على الفريقين معاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحديد الغاية الاستراتيجية والنهائية للجهاد في الإسلام:
بعد أن بين عرض السلم والتوبة في الآية السابقة: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم}.
بيّن في هذه الآية ماذا يفعل المسلمون إن استمر المشركون في عدوانهم وعنادهم: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}.
فحدد للقتال غايتين ساميتين حاصرتين تمنعان تحوله إلى عدوان أو استعمار توسعي:
الغاية السلبية الوقائية: اجتثاث الفتنة ومنع اضطهاد الناس في دينهم وقمع الشرك المعتدي {حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}.
الغاية الإيجابية التمكينية: سيادة الشريعة وحرية التوحيد والعبادة لله وحده في الأرض {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى الإكراه على الدين ونشر الإسلام بالسيف:
تشبث بعض المستشرقين والمشككين بالآية زاعمين أنها توجب إكراه كل البشر على اعتناق الإسلام بالسيف قهراً!
الدفع والمحاكمة التشريعية والتاريخية الصارمة:
القرآن محكم يفسر بعضه بعضاً؛ والله تعالى يقول نصاً صريحاً: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].
القتال في الآية شُرع لكسر شوكة الطواغيت والأنظمة القمعية التي تمنع الناس من سماع الحق وتعذب من يسلم وتفتنه عن دينه (كما كانت قريش تفعل ببلال وعمار وسمية)؛ فكان الجهاد لتحطيم تلك الحواجز العسكرية القاهرة حتى تصبح حرية الاعتقاد مكفولة للجميع ولا يُفتن أحد في دينه {حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}.
وقوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} معناه: أن تعلو شريعة الله وتسقط هيبة الشرك وتكون السيادة العامة للإسلام، مع بقاء غير المسلمين على أديانهم بدفع الجزية والعهد كما نصت الآيات والوقائع التاريخية؛ فلم يُكره أحد على تبديل عقيدته، بل أُسقطت قوى الطغيان التي تفتن الخلق وتستعبدهم لغير الله.
التوكيد المعنوي بـ {كُلُّهُ}: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}؛ نص قاطع لا يقبل التجزئة؛ فلا يرضى الإسلام بأن يكون الدين نصفه لله ونصفه للأهواء والأنظمة الوضعية والطواغيت؛ بل الاستسلام والتشريع والعبادة كلها لرب العالمين.
التذييل بـ {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: تعليق الكف عنهم بالانتهاء، مع تفويض السرائر لله البصير الذي يعلم الصادق من المنافق؛ وفيه زجر للمؤمنين عن استباحة دم من أظهر الإسلام ولو توجسوا من نيته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: «أشققتَ عن قلبه؟!».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرف غاية الجهاد الإسلامي: الجهاد في سبيل الله ليس للاستيلاء على الآبار والمناجم ولا استعباد الشعوب، بل هو لتحرير الإنسانية من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
الوقوف عند حدود الشريعة: إذا استجاب العدو ودخل في الإسلام أو قبل شروطه حَرُم قتاله فوراً، ووُكلت سريرته إلى الله البصير؛ فالمسلم عبد مأمور لا طالب انتقام.