تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 390)جامع البيانالطبري١٣/٣٩٠: يروي الطبري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وسفيان الثوري أن قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} هو تزكية ربانية مطلقة للذين جمعوا بين الإيمان الباطن والعمل الصالح الظاهر؛ فصار إيمانهم حقاً وصدقاً لا شك فيه ولا ريب؛ بخلاف المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 11)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١: يبين ابن كثير عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً، قال: انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا حارث، عرفت فالزم - عبد نوّر الله الإيمان في قلبه -».
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 368)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٦٨: يوضح القرطبي جزاء هؤلاء: {دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي منازل ومقامات رفيعة في الجنة تتفاوت بتفاوت أعمالهم وإخلاصهم، {وَمَغْفِرَةٌ} لسيئاتهم وزلاتهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهو نعيم الجنة الدائم المقيم الذي لا ينقطع ولا يتكدر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{حَقًّا}: الحق ضد الباطل، وهو الثابت الذي لا مرية فيه؛ وحقيقة الشيء منتهاه وأصله الذي يقوم عليه.
{دَرَجَاتٌ}: جمع درجة، وهي المنزلة العالية في الارتفاع الحسي والمعنوي؛ ودرجات الجنة مئة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض.
{كَرِيمٌ}: الكريم هو الجامع لصفات الخير والفضل والحسن والشرف؛ والرزق الكريم هو الطيب الهنيء الدائم الذي لا يصحبه منّ ولا أذى.
الإعراب والتركيب:
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
{هُمُ}: ضمير فصل لا محل له، أو ضمير منفصل مبتدأ ثانٍ.
{الْمُؤْمِنُونَ}: خبر اسم الإشارة (أو خبر هم)، والجملة خبر أولئك.
{حَقًّا}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: حق ذلك حقاً، أو نعت لمصدر محذوف (إيماناً حقاً)، أو حال منصوبة.
{عِندَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف نعت لـ (درجات).
{رَبِّهِمْ}: مضاف إليه مجرور والهاء مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{وَمَغْفِرَةٌ}: الواو عاطفة، مغفرة معطوف على درجات مرفوع بالضمة.
{وَرِزْقٌ}: معطوف مرفوع.
{كَرِيمٌ}: نعت لـ (رزق) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الخاتمة البديعة لبيان صفات المؤمنين: بعد أن ذكر خمس خصال جامعة لأعمال القلوب وأعمال الجوارح في الآيتين السابقتين، حكم عليهم بهذا الحكم القطعي الجليل: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}.
ترتب الجزاء التام على الوصف التام: لما استكملوا خصال الإيمان باطناً وظاهراً، رتب الله لهم ثلاثة ألوان من الجزاء:
الرفعة وعلو الشأن: {دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ}.
السلامة من كل تبعة وعذاب: {وَمَغْفِرَةٌ}.
الظفر بالنعيم المطلق المقيم: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاستثناء في الإيمان (قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله):
استدل بعض المبتدعة بهذه الآية على أن من لم يتحقق بهذه الصفات فليس بمؤمن أصلاً، أو أن المؤمن لا يجوز له أن يقول "أنا مؤمن حقاً"!
الدفع والمحاكمة العقدية الرصينة عند أئمة أهل السنة:
حقيقة الإيمان الشرعي المطلق إذا أُطلق في مثل هذه الآيات ينصرف إلى الإيمان الكامل التام الذي يستحق صاحبه دخول الجنة بلا عذاب سابق؛ ولذلك كان السلف رحمهم الله يستثنون في الإيمان إذا أرادوا كمال الإيمان وتزكية النفس، فيقول أحدهم: "أنا مؤمن إن شاء الله"؛ حذراً من تزكية نفسه بالاستحقاق المطلق لهذه الدرجات، وليس شكاً في أصل إيمانه وتصديقه بربه؛ وبذلك يتوافق كلام السلف مع محكم القرآن.
الإشارة بـ {أُولَٰئِكَ} للبعيد المعظم: دلالة على علو منزلتهم وبعد رتبتهم في الفضل والشرف.
ضمير الفصل {هُمُ}: يفيد التوكيد والحصر؛ أي هم دون غيرهم من المتظاهرين بالإيمان المستحقون لاسم الإيمان الحقيقي.
التنكير في {دَرَجَاتٌ} و{مَغْفِرَةٌ} و{رِزْقٌ}: تنكير تعظيم؛ أي درجات هائلة لا يحيط بوصفها عقل، ومغفرة سابغة تستر كل هفوة، ورزق كريم شريف باذخ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاسبة النفس على حقيقة الإيمان: على العبد ألا يغتر بمجرد الانتساب الشكلي للإسلام، بل يزن قلبه وعمله بميزان سورة الأنفال: هل يوجل قلبه لذكر الله؟ هل يزداد إيماناً عند سماع القرآن؟ هل يتوكل على ربه؟ هل يقيم صلاته وينفق من رزقه؟ فإن وجد ذلك فليحمد الله ويسأله الثبات.
علو الهمة في طلب الدرجات العلى: الجنة درجات ومنازل، والهمة العالية لا ترضى إلا بالفردوس الأعلى؛ والسبيل إلى ذلك تحقيق حقيقة الإيمان والجهاد في سبيل الله.