تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 618)جامع البيانالطبري١٣/٦١٨: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق في معنى الآية وجهين جليلين عند السلف:
الوجه الأول (وهو الراجح عند جمهور المحققين كابن جرير وابن تيمية وابن القيم وابن كثير): {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} أي الله وحده كافيك، وهو أيضاً كافي {مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}؛ فالواو عاطفة للموصول على الكاف المجرورة محلاً بـ (حسبك)، والتقدير: الله حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين؛ كقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.
الوجه الثاني: {حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ}: أي كافيك الله وكافيك نصرة من اتبعك من المؤمنين؛ فتكون الواو عاطفة على لفظ الجلالة؛ أي الله ينصرك والمؤمنون ينصرونك كقوله في الآية السابقة: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 87)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨٧: يرجح ابن كثير الوجه الأول ترجيحاً حاسماً؛ لأن الكفاية المطلقة الحقيقية حق خالص لله وحده لا يشاركه فيه مخلوق؛ كما قال تعالى: {وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ}؛ فلا يقال: حسبي الله وفلان، بل يقال: حسبي الله وحده؛ فالمعنى: الله كافيك يا محمد، وكافي أتباعك المؤمنين، فلا تخافوا كثرة الأعداء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{حَسْبُكَ}: كافيك وناصرك ومغنيك؛ من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي.
الإعراب والتركيب:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}: نداء تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم.
{حَسْبُكَ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة خبر المبتدأ مرفوع بالضمة (أو حسبك خبر مقدم ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر).
{وَمَنِ}: الواو حرف عطف، (مَن) اسم موصول مبني على السكون وحرك بالكسر للساكنين في محل جر عطفاً على الكاف في (حسبك) والتقدير: وحسب من اتبعك؛ أو في محل رفع عطفاً على لفظ الجلالة والتقدير: الله ومن اتبعك كافوك.
{اتَّبَعَكَ}: فعل ماض والفاعل مستتر والكاف مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: متعلقان بمحذوف حال أو بيان لـ (مَن).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستنهاض الروحي للقيادة النبوية والأمة:
بعد أن بين النصر، وتأليف القلوب، وأحكام السلم والحرب، ناداه بهذا النداء المهيب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
تجريد القلوب من الاعتماد على غير الله قبل الأمر بتحريض المؤمنين على القتال في الآية التالية؛ ليعلموا أن الكافي هو الله وحده، فإذا امتزجت كفاية الله بيقين المؤمنين هانت كل قوة في الوجود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة إشراك المؤمنين في الكفاية مع الله في الوجه الإعرابي الثاني:
استشكل ابن تيمية وابن القيم وغيرهما عطف {مَنِ اتَّبَعَكَ} على لفظ الجلالة وقالوا: الكفاية والحسب كالخلق والرزق لا تجوز إلا لله وحده؛ فكيف يُعطف المخلوق على الخالق في الحسب؟
الدفع والمحاكمة العقدية والنحوية العميقة:
المحاكمة النحوية السنية الراجحة قطوعاً: عطف {مَنِ اتَّبَعَكَ} على الكاف المجرورة محلاً؛ والتقدير: "الله حسبك وحسب من اتبعك"؛ وهذا هو المتعين عقيدةً؛ لأن التوكل والكفاية عبادة خالصة لله: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله.
وحتى على الوجه الإعرابي الآخر (العطف على اللفظ)، فإن معناه: التأييد والنصرة المادية كما قال: {أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}، ولكن الوجه الأول أتم وأبلغ وأسلم في جانب التوحيد.
التصدير بالنداء بصفة {النَّبِيُّ}: للدلالة على علو مقامه الشريف واتصاله بالوحي؛ وفي كل موضع يذكر فيه تشريع القتال أو الكفاية يخاطبه الله بالنبوة والرسالة تعظيماً لأمره.
الإيجاز بالحذف: إغناء لفظ "حسبك" عن تكرار "وحسب من اتبعك"؛ للدلالة على وحدة المصير بين القائد وأتباعه في حيازة كفاية الله ورعايته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كفاية الله للمتوكلين: من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدق نال حظه من كفاية الله وحفظه ورعايته بقدر اتباعه؛ فكلما ازداد العبد اتباعاً ازداد كفاية ونصرة.
التجرد لله في الأزمات: سلاح المؤمن الأعظم في كل معركة هو ترديد: "حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم".