تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 548)جامع البيانالطبري١٣/٥٤٨: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي وابن إسحاق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى المشركين في منامه قبل لقاء بدر وهم قليل العدد والعدة، فحدث بذلك أصحابه، فكان ذلك تثبيتاً عظيماً وتقوية لعزائمهم واستبشاراً بالنصر؛ {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا}: أي على حقيقة عددهم الضخم (وكانوا زهاء ألف بكامل عتادهم وخيلهم)، {لَّفَشِلْتُمْ}: لجبنتم وضعفتم، {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ}: ولاختلفتم في الإقدام والإحجام والرجوع؛ {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ}: أي سلّمكم من الفشل والتنازع والجبن، وحفظ صفكم بوحيه ورؤيا نبيه الصادقة؛ {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} يعلم ما تنطوي عليه النفوس من الضعف والقوة والسرائر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 62)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٦٢: يوضح ابن كثير أن رؤيا الأنبياء وحي وحق؛ وأن إراءتهم قليلين في المنام لم يكن كذباً، بل تصويراً لقلة قوتهم وهوان شأنهم وضعف تدبيرهم في ميزان الحقيقة الربانية؛ فالمشركون وإن كانوا كثرة في العدد الحسي، إلا أنهم قلة هالكة أمام قدرة الله؛ فكانت الرؤيا مطابقة لواقع مصيرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُرِيكَهُمُ}: من الإراءة؛ وأرى يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل إذا كان من الرؤية العلمية، وإلى مفعولين إن كان من البصرية أو المنامية.
{لَّفَشِلْتُمْ}: الفشل هو الضعف والجبن والخور وتخاذل الهمة وتفرق العزيمة؛ فشل يفشل فشلاً فهو فشل.
{سَلَّمَ}: التسلية والتسليم هو النجاة والعصمة من الهلاك والشر.
{بِذَاتِ الصُّدُورِ}: المضمرات والخواطر والنوايا الكامنة في القلوب المستقرة داخل الصدور.
الإعراب والتركيب:
{إِذْ}: ظرف لما مضى متعلق بـ (سميع عليم) أو بدل ثالث من يوم الفرقان.
{يُرِيكَهُمُ}: يري فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والكاف ضمير متصل مفعول به أول، والهاء مفعول به ثانٍ والميم علامة الجمع.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فِي مَنَامِكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يريك) والكاف مضاف إليه.
{قَلِيلًا}: مفعول به ثالث، أو حال منصوبة من الهاء.
{وَلَوْ}: الواو عاطفة، لو شرطية امتناعية.
{أَرَاكَهُمْ}: أرى فعل ماض مبني على فتح مقدر، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول أول والهاء مفعول ثانٍ.
{كَثِيرًا}: مفعول ثالث أو حال منصوبة.
{لَّفَشِلْتُمْ}: اللام واقعة في جواب لو، فشلتم فعل ماض والتاء فاعل والميم علامة الجمع، والجملة جواب لو لا محل لها.
{وَلَتَنَازَعْتُمْ}: معطوف على جواب لو والتاء فاعل.
{فِي الْأَمْرِ}: متعلقان بـ (تنازعتم).
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكنّ حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم لكنّ منصوب.
{سَلَّمَ}: فعل ماض والفاعل مستتر، والجملة في محل رفع خبر لكنّ.
{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: إن واسمها وخبرها والجار والمجرور متعلقان بـ (عليم).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدبير النفسي الرباني لصناعة النصر:
النصر العسكري يسبقه نصر نفسي وتماسك روحي.
فكشف القرآن للمؤمنين لطائف رعاية الله لنبيه وجيشه: كيف حماهم من لوثة الفشل والجبن والتنازع عبر الرؤيا المنامية المبشرة؛ ليعلموا أن سلامتهم وثباتهم في بدر لم يكن بمهارتهم النفسية، بل كان بتسليم الله وتدبيره: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى مخالفة الرؤيا للواقع الحسي:
كيف يرى النبي المشركين قليلين وهم ألف مقاتل؟ أليس في ذلك خلاف الواقع؟
الدفع والمحاكمة العقدية والبلاغية الرفيعة:
رؤيا المنام تقع فيها الأمثال المعنوية مصورة في قوالب حسية؛ فالقلة هنا ليست قلة عدد الأشخاص بحساب الأرقام الرياضية، بل هي "قلة الوزن والقيمة والشوكة"؛ فالله أراه إياهم قليلين لأنهم هالكون مخذولون لا قيمة لكثرتهم أمام مدد السماء؛ فالرؤيا عبرت عن الحقيقة الجوهرية لمعادلة الصراع؛ والكثرة العددية كانت هباءً فكانت قلة حقيقية في ميزان الغلبة.
الاستدراك بـ {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ}: حذف مفعول "سلّم" ليعم كل أنواع السلامة: سلمكم من الجبن، وسلمكم من الهزيمة، وسلمكم من التنازع، وسلم قلوبكم من الزيغ.
ختم الآية بـ {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: بيان لعلة التدبير الإلهي؛ فالله يعلم نقطة الضعف البشري الكامنة في الصدور، فعالجها بتلك الرؤيا المباركة رحمة بالمؤمنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة التنازع والفشل: قرن القرآن بين الفشل والتنازع: {لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ}؛ فالتنازع يولد الفشل، والفشل يقود إلى التنازع، وهما مقبرة الجيوش والدعوات.
التفاؤل وبث الأمل في الأزمات: القائد الناجح يبث الأمل والتفاؤل في نفوس أتباعه في اللحظات الحرجة، ويصغر شأن الباطل وأهله لتقوى العزائم.