تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 586)جامع البيانالطبري١٣/٥٨٦: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن هذه الآية قاعدة سننية كونية خالدة تحكم سائر الأمم والدول؛ فالله تعالى إذا أنعم على قوم بنعمة (الأمن، الرخاء، العزة، الصحة، التمكين) لم يسلبهم إياها ولم يغيرها عليهم بالبلاء والخوف والهلاك حتى يغيروا هم ما بأنفسهم من الطاعة إلى المعصية، ومن الشكر إلى الكفر والبطر؛ فإذا غيروا الإيمان بالكفر والشكر بالجحود غير الله عليهم النعمة بالنقمة؛ كما فعل بكفار قريش؛ كانوا في مكة في أمن ورخاء وإطعام من جوع وإيواء وجوار بيته المعظم، فلما كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأخرجوه وحاربوه غيّر الله نعمتهم بالخوف والجوع والقتل والأسر في بدر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 76)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٦: يوضح ابن كثير أن هذا عدل الله وقسطه التام في خلقه؛ ونظيرتها في سورة الرعد: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11]؛ فالابتداء بالنعم والفضل من الله، والابتداء بالتغيير والانحراف والشر من العباد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُغَيِّرًا}: اسم فاعل من غيّر، والتغيير هو تحويل الشيء من حال إلى حال أخرى ضده (كالتحول من الأمن إلى الخوف، ومن الغنى إلى الفقر).
{نِّعْمَةً}: النعمة هي الحالة الحسنة والمنحة المستحسنة التي يتنعم بها الإنسان.
{حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا}: الغاية التي ينتهي عندها بقاء النعمة، وهي تحول نفوسهم عن الاستقامة إلى الفساد.
الإعراب والتركيب:
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ.
{بِأَنَّ}: الباء سببية، أنّ حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب.
{لَمْ}: حرف نفي وجزم وقلب.
{يَكُ}: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه مستتر تقديره هو.
{مُغَيِّرًا}: خبر يك منصوب وعلامة نصبه الفتحة وهو اسم فاعل يعمل عمل فعله.
{نِّعْمَةً}: مفعول به لاسم الفاعل (مغيراً) منصوب بالفتحة.
{أَنْعَمَهَا}: فعل ماض وفاعله مستتر والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب نعت لـ (نعمة).
{عَلَىٰ قَوْمٍ}: متعلقان بـ (أنعمها).
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر.
{يُغَيِّرُوا}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (يغيروا).
{بِأَنفُسِهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والمصدر المؤول في محل جر بـ (حتى).
{وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: معطوف على (بأن الله).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وضع القانون الكلي المحرك للتاريخ وسقوط الحضارات:
بعد أن استعرض مصير آل فرعون والأمم السابقة ومشركي بدر، لم يدع الأمر معلقاً كأنه قضاء اعتباطي أو ضربة قدرية مجردة.
بل وضع "القانون الدستوري الإلهي للتغيير": {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً... حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}؛ ليعلم العقلاء أن الأمة هي التي تصنع مصيرها بسلوكها الداخلي وإيمانها؛ فإذا حافظت على الاستقامة دامت النعم، وإن انحرفت سقطت وسُلبت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الابتلاء والمصائب التي تصيب الأنبياء والصالحين:
هل سلب النعم أو نزول الشدة على الصالحين ينافي قوله {لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}؟
الدفع والمحاكمة السننية والعقدية:
الآية تتحدث عن "النعمة العامة للأمم والدول وسلبها بالعذاب والاستئصال والخزي" جزاءً على الكفر والفساد العام؛ وهذا لا يتخلف قط؛ فلا يهلك الله قرية ولا يسلب أمنها إلا بظلم وانحراف منها.
أما ما يصيب الصالحين والأنبياء من الابتلاءات الفردية والأمراض والشدائد، فهو ابتلاء تمحيص ورفع درجات وزيادة في النعمة الباطنة والأجر الأخروي؛ فليس تغييراً لنعمة الرضوان بل هو وسيلة لتكميلها؛ وبذلك يتبين الفرق بين ابتلاء التمحيص للمؤمن وعقوبة التغيير للكافرين.
الحذف التخفيفي في {لَمْ يَكُ}: أصلها "لم يكن"، وحذف النون للتخفيف ولكثرة الاستعمال، وفيه إشعار بنفي أدنى إرادة لتغيير النعم إلا بعد وقوع التغيير الإنساني.
التعبير بـ {مَا بِأَنفُسِهِمْ}: دقة متناهية؛ فالتركيز ليس على المظاهر الخارجية بل على "ما استقر في النفوس والقلوب" من العقائد والنيات والأخلاق؛ فالباطن هو المحرك للظاهر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر النعم قيدها الحافظ: النعم تدوم بالشكر وتزول بالكفر والمعاصي؛ فمن أراد دوام نعمة الأمن والرخاء والتمكين فعليه بلزوم طاعة الله وتقواه.
التغيير يبدأ من الداخل: لا يمكن لأمة أن تغير واقعها السياسي والاجتماعي المتردي حتى تبدأ بتغيير ما في نفوس أبنائها من الأفكار والعقائد والسلوك والأخلاق: {حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.