أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت هذه الآية الكريمة لتأسيس البنية الدستورية والسياسية والاجتماعية للأمة الإسلامية الوليدة في المدينة المنورة عقب الفراغ من أحكام غزوة بدر. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ومجاهد أن الله آخى بين المهاجرين والأنصار في ابتداء الهجرة، فكان يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ بالولاية والمؤاخاة دون قرابته حتى نسخت بآية المواريث في آخر السورة.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 92)جامع البيانالطبري١٤/٩٢: قسم الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية إلى أصناف:
المهاجرون الذين فارقوا الديار والأموال وجاهدوا في سبيل الله.
الأنصار الذين بوؤوا الدار والإيمان وآووا رسول الله وأصحابه ونصروهم. فهذان الصنفان جعل الله بينهما الولاية التامة في النصرة والمعونة، وكان بينهم التوارث أول الأمر.
المؤمنون الذين لم يهاجروا وبقوا في دار الشرك، فليس بينهم وبين أهل دار الهجرة ولاية توارث ولا ولاية موالاة عامة، إلا في حدود النصرة الدينية بشروطها.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 97)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٩٧: ذكر تعالى طبقات المؤمنين، وجعل المهاجرين والأنصار أولياء بعض، وأسقط الولاية التامة عمن قعد عن الهجرة مع قدرته عليها، حتى ينضم إلى جماعة المسلمين في دار الإسلام.
بين القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 58)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٥٨: الولاية هنا تشمل النصرة والمظاهرة، والميراث في صدر الإسلام، ثم استقر الحكم بنسخ التوارث بالمؤاخاة وبقاء واجب النصرة والمعونة العامة.
قال الشنقيطي (أضواء البيان، جـ 2، ص 316)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣١٦: استدل بالآية على أن نصرة المؤمنين المستضعفين في بلاد الكفر واجبة شرعاً على المسلمين، إلا إذا كانت هذه النصرة تؤدي إلى نقض عهد وميثاق مبرم مع تلك الدولة الكافرة؛ فالميثاق مقدم حماية للمصداقية الإسلامية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
هَاجَرُوا: الهجرة مفارقة بلد الكفر والشرك إلى بلد الإسلام والانتقال بالدين والدعوة، وأصل الهجر الترك والمفارقة بالبدن أو القول أو القلب.
آوَوا: الإيواء ضم الشيء إلى النفس وحمايته وإسكانه، يقال أوى إليه إذا انضم، وآواه إذا أنزله وضمه ودفع عنه الضرر؛ وهو وصف كاشف لما قدمه الأنصار من احتضان للمهاجرين ومقاسمتهم الدور والأموال.
وَلَايَتِهِم: بفتح الواو وكسرها. الفتح يدل على النصرة والمحبة والتولي، والكسر يدل على السلطان والإمارة والتدبير والميراث.
مِّيثَاقٌ: العهد المؤكد الموثق باليمين والشروط، مأخوذ من الوثاقة والربط المحكم.
الإعراب التفصيلي:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا: إن واسمها، وجملة آمنوا صلة الموصول.
وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا: معطوفان على آمنوا، والواو فاعل في الجميع.
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ جاهدوا، وأنفسهم معطوف.
فِي سَبِيلِ اللَّهِ: جار ومجرور في محل نصب حال أو متعلق بـ جاهدوا.
وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا: الواو عاطفة، الذين معطوف على اسم إن، وجملة آووا صلة الموصول، ونصروا معطوف عليها.
أُولَٰئِكَ: اسم إشارة مبتدأ، والكاف للخطاب.
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ: بعض مبتدأ ثانٍ، وأولياء خبره، وبعض مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (أولئك)، وجملة المبتدأ وخبره (أولئك بعضهم أولياء بعض) في محل رفع خبر إن الأولى.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا: مبتدأ، وما بعده صلته.
مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ: ما نافية، لكم جار ومجرور خبر مقدم، من ولايتهم متعلق بحال محذوفة، من صلة لتأكيد النفي (زائدة إعراباً)، شيء مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً، والجملة خبر المبتدأ (والذين آمنوا).
حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا: حتى حرف غاية وجر، يهاجروا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه حذف النون، والمصدر المؤول في محل جر بـ حتى متعلق بالمنفي قبله.
وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ: الواو عاطفة، إن شرطية، استنصروكم فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل، والكاف مفعول به، والميم للجمع، وفي الدين متعلق بـ استنصروكم.
فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ: الفاء رابطة لجواب الشرط، عليكم جار ومجرور خبر مقدم، النصر مبتدأ مؤخر، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ: إلا أداة استثناء، على قوم جار ومجرور في محل نصب مستثنى مفرغ أو استثناء منقطع/متصل.
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ: بينكم ظرف مكان خبر مقدم، ميثاق مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر نعت لـ قوم.
قرأ حمزة وحده: {مِّن وِلَايَتِهِم} بكسر الواو، وقرأ الباقون من السبعة والعشرة: {مِّن وَلَايَتِهِم} بفتح الواو. قال أبو عبيد والكسائي: الفتح في الدين والنصرة، والكسر في الإمارة والميراث، وقيل هما لغتان بمعنى واحد كالوكالة والوكالة والدلالة والدلالة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأسيس المجتمع الإسلامي المتماسك: بعد أن فصلت السورة قوانين المعركة وقسمة الغنائم ومعاملة الأسرى، انتقلت إلى صياغة البنية الداخلية للدولة الإسلامية؛ فوضعت أصناف المجتمع في إطار حقوقي دقيق يبين من هم أصحاب الولاية المطلقة (المهاجرون والأنصار)، ومن هم أصحاب الولاية المقيدة (المؤمنون الذين تخلفوا عن الهجرة).
الاستثناء التشريعي المعجز: قوله {إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} يبرز القمة الأخلاقية للتشريع الإسلامي في احترام المواثيق الدولية، حتى وإن كان المقابل نصرة إخوة الدين المستضعفين؛ لئلا تتهم الأمة بالغدر والخيانة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إهدار حقوق المسلمين المستضعفين لعيون الكفار المعاهدين:
قد يظن ظان أن استثناء نصرة المسلمين ضد المعاهدين فيه خذلان للمسلم وظلم له لصالح الكافر.
الرد والمحاكمة العقلية:
الإسلام يعتبر الوفاء بالعهود أصلاً كلياً لا يقبل الإخلال، وقاعدة الأخلاق الإسلامية لا تتجزأ؛ فلو أُبيح للمسلمين نقض عهدهم مع قوم بحجة نصرة مسلم عندهم، لصارت المعاهدات الإسلامية حبراً على ورق ولاستحالت الثقة بالدولة المسلمة.
الحل الذي وضعه الإسلام ليس خذلان المسلم، بل أمر المسلم بالهجرة ومفارقة دار الكفر {حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا}؛ فإن قعد مختاراً فعليه تحمل تبعة بقائه، ومع ذلك يسعى المسلمون لفكاك أسره وافتدائه بالمال والطرق الدبلوماسية والسلمية دون نقض العهد العسكري، فإن انتهت مدة العهد وجب نصرهم بالسيف.
التقديم بالجهاد بالمال على النفس: {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}؛ لأن الجهاد بالمال سابق على الجهاد بالنفس في الإعداد والتجهيز وتأمين الجيوش، ولأن كل قادر يستطيع بذل المال، بينما بذل النفس يختص به المقاتلون.
الإيجاز الإعجازي في وصف الأنصار: {وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا}؛ كلمتان جمعتا كل فضائل الأنصار التاريخية: الإيواء وهو بذل الحماية والمسكن والمواساة، والنصر وهو بذل الدم والجهد العسكري في الذود عن دعوة الإسلام ورسوله.
الحصر والتوكيد بالإشارة: {أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}؛ الإشارة بـ {أُولَٰئِكَ} لعلو منزلتهم وبعد رتبتهم في الفضل والشرف والسبق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الانتماء العملي للأمة: الإيمان ليس مجرد دعوى في القلب أو كلمة باللسان، بل هو انخراط عملي في جماعة المسلمين وتضحية بالمال والنفس؛ ولذلك حُرم القاعد عن الهجرة من مزايا الولاية التامة.
قداسة العهود والمواثيق في الإسلام: أسمى درجات الشرف العسكري والسياسي تتجلى في رفض نقض المواثيق الدولية حتى في حالة الاستنصار الديني، مما يخرس ألسنة من يصفون الفتوحات الإسلامية بالغدر أو الهمجية.