تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 413)جامع البيانالطبري١٣/٤١٣: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن جريج: أن الله تعالى يقرر أن إنزال الملائكة وإمدادهم لم يكن لأن الله عاجز عن نصركم بدونهم، ولا لأن الملائكة هم الفاعلون الحقيقيون للنصر استقلالاً؛ وإنما جعله الله بشرى تستبشرون بها، ولتطمئن وتستقر به قلوبكم الوجلة من مواجهة العدو الكبير؛ ثم حصر النصر المطلق في مصدره الحقيقي: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ}؛ فالنصر منحه وهبته وقدره، لا بعدد الجيوش ولا بنزول الملائكة؛ إنه عزيز لا يغالبه غالب، حكيم في أفعاله وتدبيره.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 19)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٩: يوضح ابن كثير أن هذه الآية أصل أصيل في حسم مادة الشرك الخفي والتعلق بالأسباب؛ فبين سبحانه أن الملائكة أسباب ظاهرة وبشرى للمؤمنين لتثبيتهم، أما النصر الحقيقي فليس إلا من عند الله وحده، كقوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} [آل عمران: 160].
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 316)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣١٦: ينبه السعدي على أن العبد مأمور بالأخذ بالأسباب، ولكنه منهي عن الاعتماد عليها؛ فإذا جاء النصر وجب عليه أن يشهد المنة لله وحده الذي خلق الأسباب ويسرها، وألا ينسب النصر إلى حوله أو حيلته أو كثرة عتاده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{بُشْرَىٰ}: اسم من البشارة، وهي الخبر السار الذي تظهر آثاره على بشرة الوجه بالفرح والسرور.
{وَلِتَطْمَئِنَّ}: الطمأنينة سكون النفس وذهاب القلق والاضطراب بعد الوجل والخوف.
{عَزِيزٌ}: العزيز هو القوي الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يغلبه مغالب.
{حَكِيمٌ}: الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها ويجري الأمور وفق علمه وحكمته البالغة.
الإعراب والتركيب:
{وَمَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، (ما) نافية مهملة لوجود إلا.
{جَعَلَهُ}: جعل فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به أول يعود على الإمداد بالملائكة.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{بُشْرَىٰ}: مفعول به ثانٍ منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، أو مفعول لأجله.
{وَلِتَطْمَئِنَّ}: الواو عاطفة، اللام لام التعليل، تطمئن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه الفتحة.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (تطمئن).
{قُلُوبُكُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع؛ والمصدر المؤول معطوف على (بشرى) لأنه في معنى المفعول لأجله (أي: ما جعله إلا للبشارة ولطمأنينة قلوبكم).
{وَمَا}: الواو استئنافية لتقرير قاعدة التوحيد، (ما) نافية.
{حَكِيمٌ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم البديع هو ذروة سنام التوحيد في سورة الأنفال؛ فبعد أن ذكر الله الإمداد الهائل بألف من الملائكة مردفين وما يصاحبه من انبهار النفوس بالملائكة وقوتهم الخارقة، جاءت هذه الآية فوراً كحاجز وقائي يمنع تسلل الشرك الخفي إلى القلوب؛ لتقرر أن الملائكة مجرد وسيلة وبشرى نفسية لتثبيت قلوبكم، وأن القوة الفاعلة والنصر الحقيقي ليس إلا من عند الله وحده لا شريك له.
التناسق التام مع الآية الأولى: {قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} فكما أن الغنائم ملك لله، فكذلك النصر من عند الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين طلب النصر بالملائكة وبين حصر النصر من عند الله:
كيف يحصر النصر من عند الله وحده {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} وقد أرسل ألفاً من الملائكة للقتال والنصر؟
الدفع والمحاكمة العقدية عند أئمة السنة:
هذا هو صميم منهج التوحيد السني الصافي في الموازنة بين "السبب" و"مسبِّب الأسباب":
الأسباب (الملائكة، السلاح، الخطط، الاستغاثة) وسائط كونية شرعها الله تعبداً وابتلاءً وبشرى لطمأنة القلوب؛ ولكنها لا تستقل بالتأثير قطرة واحدة؛ فلو شاء الله لنصرهم بغير ملائكة وبغير قتال أصلاً كإرسال ريح عاتية أو صاعقة تهلك الكفار كما فعل بعاد وثمود.
حصر النصر بـ {مِنْ عِندِ اللَّهِ} ينفي الشرك بالأسباب؛ فالسبب لا ينفع إلا بإذن مسببه، والواجب على المؤمن أن يعلق قلبه بالرب لا بالسبب؛ فإذا جاء النصر شكر الله ولم يفتخر بملائكة ولا بعدد؛ وبذلك تلتئم النصوص في نسق توحيدي فريد.
القصر الأول: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ}: قصر الغاية من إنزال الملائكة على البشارة والسكينة.
القصر الثاني: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ}: قصر النصر الحقيقي على الاختصاص والاستحقاق الإلهي المطلق.
استعمال {مِنْ عِندِ اللَّهِ} بدلاً من "من الله": إضافة "عند" تفيد التعظيم والتشريف، وأن النصر خزينة ربانية خاصة يفيض بها على من يشاء من عباده المخلصين.
ختم الآية باسميه {عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: مناسبة بديعة؛ "العزيز" الذي يقدر على النصر وقهر الأعداء في طرفة عين، و"الحكيم" الذي يرتب أوقات النصر وسننه ويبتلي المؤمنين ليمحص إيمانهم ويخرج أضغان الكافرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوكل في الأزمات والمعارك: يربي القرآن الأمة المجاهدة ألا تطغى إذا انتصرت، وألا تيأس إذا قلت أسبابها؛ فالمسلم يدخل المعركة مستفرغاً وسعه في الأخذ بالأسباب، ولكنه يرفع بصره إلى السماء موقناً أن النصر من عند الله وحده.
الطمأنينة الإيمانية: طمأنينة القلب بالله وسكونه بذكره هي أعظم عدة يحملها المجاهد والداعية؛ فإن القلب المطمئن بنصر الله لا تهزه أراجيف الأعداء ولا تهوله كثرة عتادهم.