تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 578)جامع البيانالطبري١٣/٥٧٨: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن جريج: أن هذا إخبار عن المشهد الغيبي المهيب لموت وقتل المشركين ببدر وفي كل موطن؛ «كان المشرك إذا أقبل على المسلم يقاتله ضربه الملك على وجهه بالسيف أو بسوط من نار، وإذا ولى هارباً ضربه على دبره وقفاه؛ وقيل: بل هذا عند قبض أرواحهم عند الموت تتنزل ملائكة العذاب بمقامع من حديد وسياط النار يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم: أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون وذوقوا عذاب الحريق».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 73)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٣: يوضح ابن كثير أن الآية تعم مشهدين متلازمين:
مشهد القتل في معركة بدر بضرب الملائكة لوجوه الكفار وأدبارهم إهانة ونكالاً.
مشهد الاحتضار وقبض الأرواح لكل كافر معاند عند الموت؛ كما قال تعالى في سورة الأنعام: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ} [الأنعام: 93]؛ فتنفر أرواحهم الخبيثة وتتفرق في أجسادهم فينتزعونها انتزاعاً شاقاً مع الضرب والتقريع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَتَوَفَّى}: التوفي هو أخذ الشيء تاماً وافياً؛ وتوفي الروح قبضها واستيفاء أجلها المحتوم.
{أَدْبَارَهُمْ}: جمع دُبُر، وهو الظَّهْر والمؤخرة؛ ومقابلة الوجوه بالأدبار استيعاب لإحاطة الضرب والإهانة من الأمام والخلف.
{عَذَابَ الْحَرِيقِ}: الحريق النار المشتعلة ذات اللهب الموقد التي تحرق الأجساد.
الإعراب والتركيب:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، لو شرطية غير جازمة تفيد التمني أو التعجيب.
{تَرَىٰ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره أنت، وجواب لو محذوف لتفخيم الأمر وتهويله تقديره: لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً لا تحيط به العبارة.
{إِذْ}: ظرف لما يستقبل أو لما مضى مبني في محل نصب مفعول به لـ (ترى).
{يَتَوَفَّى}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة للتعذر.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ (يتوفى).
{كَفَرُوا}: صلة الموصول.
{الْمَلَائِكَةُ}: فاعل مؤخر لـ (يتوفى) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{يَضْرِبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من الملائكة.
{وُجُوهَهُمْ}: مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
{وَأَدْبَارَهُمْ}: معطوف منصوب والهاء مضاف إليه.
{وَذُوقُوا}: الواو عاطفة أو حالية، والقول محذوف تقديره: ويقولون لهم ذوقوا؛ ذوقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{عَذَابَ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{الْحَرِيقِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن عامر: {إِذْ تَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ} بتاء التأنيث لتأنيث لفظ الملائكة.
وقرأ الباقون: {يَتَوَفَّى} بياء التذكير للفصل بين الفعل والفاعل ولأن تأنيث الملائكة مجازي؛ وهما قراءتان متواتران في غاية الفصاحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مشهد النهاية المحتومة للطغاة المتبخترين:
الذين خرجوا بطراً ورئاء الناس، وغرهم الشيطان وقال لا غالب لكم، وسخروا من قلة المؤمنين.
يضع القرآن هنا المشهد الختامي لمصيرهم البائس: حين تحيط بهم ملائكة العذاب يصفعون وجوههم ويضربون ظهورهم ويذيقونهم عذاب الحريق؛ لتكتمل فصول العبرة وتسقط كل أوهام الكبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة رؤية الضرب والنزاع عند موت الكافر حسياً:
قد يقول قائل: نحن نرى الكافر يموت على فراشه هادئاً ولا نرى ملائكة ولا ضرباً لوجهه ولا لقفاه!
الدفع والمحاكمة العقدية والعلمية الصارمة:
هذا المشهد من "عالم الغيب والبرزخ" الخفي عن الحواس المادية الظاهرة؛ كما أن النائم بجوارك في الفراش قد يرى في منامه كابوساً مروعاً ويُعذب ويُضرب ويتألم ألماً حقيقياً والنائم بجانبه لا يشعر به ولا يرى شيئاً؛ فالروح والملائكة من لطائف الغيب التي لا تدركها الأبصار المجردة؛ ويقع الضرب الحقيقي لروح الكافر وجسده البرزخي عند خروجها ومعاينتها لمقعدها من النار؛ فالإنكار لمجرد عدم المشاهدة الحسية جهل بحقائق العوالم البرزخية التي أثبتها الوحي القاطع.
الحذف الإعجازي لجواب {وَلَوْ تَرَىٰ}: حذف الجواب لأجل التهويل والتفخيم؛ لأن الخيال البشري مهما حلق لا يستطيع الإحاطة بمدى هول وفظاعة مشهد ملائكة العذاب وهي تسحق كبرياء الطغاة وتضرب وجوههم وأدبارهم.
التنصيص على {وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}: إهانة مقصودة لأشرف موضع في الإنسان وهو الوجه، وإهانة لموضع العورة والفرار وهو الدبر؛ ليعاملوا بنقيض ما كانوا عليه من التعالي والخيلاء في الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عاقبة الكفر خزي في الدنيا والبرزخ: الموت ليس نهاية المطاف للكافر بل هو بداية العذاب الأليم ومواجهة ملائكة النقمة؛ فالعاقل من اتعظ بمصارع غيره وتدارك نفسه بالإيمان قبل فوات الأوان.
تثبيت قلوب المظلومين والمجاهدين: رؤية هذا المشهد القرآني يشفي صدور قوم مؤمنين؛ فإن من يرى طغيان الظلمة وتجبرهم في الأرض يستيقن أن عدالة الله تنتظرهم عند لحظة الاحتضار وما بعدها، وسينقلب كبرهم صغاراً وعذاباً.