تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 388)جامع البيانالطبري١٣/٣٨٨: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد أن إقامة الصلاة هي المحافظة على مواقيتها، وإسباغ وضوئها، وإتمام ركوعها وسجودها، والخشوع فيها؛ وقوله {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}: يشمل إيتاء الزكاة المفروضة، والنفقة الواجبة على الأهل والعيال، والنفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة، وسائر وجوه التطوع والبر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 10)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٠: يوضح ابن كثير أن الله تعالى قرن بين الصلاة والإنفاق في مواضع لا تحصى من كتابه؛ فالصلاة حق الله وعبادته المتضمنة لتوحيده والثناء عليه والافتقار إليه، والإنفاق هو الإحسان إلى خلقه بنفعهم المحتاج وإعانة الضعيف؛ وسعادة العبد مبنية على أمرين: الإخلاص للمعبود، والإحسان إلى العبيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُقِيمُونَ}: من الإقامة، وأقام الشيء إذا وفاه حقه وجعله مستقيماً سالماً من العوج؛ وإقامة الصلاة أداؤها كاملة الأركان والشروط والسنن والأذكار والخشوع.
{رَزَقْنَاهُمْ}: الرزق هو كل ما تفضل الله به على العبد مما ينتفع به من مال وقوة وعلم وجاه.
{يُنفِقُونَ}: الإنفاق إخراج المال ونحوه في وجوهه المشروعة.
الإعراب والتركيب:
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع نعت لـ (الذين) السابقة، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف (هم الذين).
{يُقِيمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{الصَّلَاةَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{وَمِمَّا}: الواو عاطفة، (من) حرف جر للتبعيض، (ما) اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بـ (ينفقون) قُدما للاهتمام.
{رَزَقْنَاهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بـ (نا) الفاعلين، و(نا) ضمير فاعل، والهاء مفعول به أول، وجملة رزقناهم صلة الموصول لا محل لها والعائد محذوف تقديره: رزقناهم إياه.
{يُنفِقُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على صلة الموصول.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون خلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء ذكر الصلاة والإنفاق بعد صفات القلوب (الوجل، زيادة الإيمان، التوكل) للربط العضوي بين الباطن والظاهر؛ فالأعمال الصالحة الظاهرة هي الثمرة الطبيعية الحتمية لسلامة القلب ورسوخ الإيمان.
الصلاة تمثل العبادة البدنية الكبرى، والإنفاق يمثل العبادة المالية الكبرى؛ وبجمعهما يستوعب العبد جميع أنواع التكاليف الشرعية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول الإنفاق لما قبل فرض الزكاة:
استشكل بعضهم: هل الإنفاق المذكور هنا هو الزكاة المفروضة، مع أن مقادير الزكاة المفصلة إنما استقرت لاحقاً بالمدينة؟
الدفع والمحاكمة الفقهية والتفسيرية:
"من" في قوله {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} تفيد التبعيض؛ والإنفاق الممدوح في القرآن أعم من الزكاة ذات الأنصبة المقدرة؛ فهو يشمل الزكاة المفروضة، والنفقة على العيال، والإنفاق في تجهيز السرايا والجيوش (وهو أشد ما يحتاجه السياق الجهادي في بدر والأنفال)، ونفقات البر والإحسان؛ واللفظ عام مطلق يتناول كل نفقة يحبها الله ويرضاها.
التعبير بـ {يُقِيمُونَ} دون "يصلون": دقة بيانية معجزة؛ فالصلاة لا تُمدح لمجرد الحركات الصورية والأداء المجرد، بل تمدح بـ "الإقامة" التي تستلزم استقامة الروح والبدن والخشوع فيها والنهي عن الفحشاء والمنكر.
إدخال حرف التبعيض {مِمَّا}: تيسير ورحمة بالمؤمنين؛ فالله لم يطالبهم بإنفاق كل أموالهم بل ببعضها، وفيه تذكير بأن المال أصله رزق من الله {رَزَقْنَاهُمْ}، فما ينفقه العبد إنما ينفقه من مال سيده ومولاه الذي تفضل به عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوازن بين الشعائر التعبدية والمعاملات المالية: لا يستقيم إيمان عبد حتى يقيم الصلاة صلةً بربه، وينفق المال إحساناً إلى الخلق؛ فمن صلى وبخل بماله فإيمانه ناقص، ومن أنفق وضيع صلاته فلا قيمة لعمله.
سخاء النفس في سبيل الله: بذل المال في نصرة دين الله وتجهيز المجاهدين وكفالة المحتاجين هو البرهان العملي على صدق دعوى التوكل على الرزاق سبحانه.