تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 480)جامع البيانالطبري١٣/٤٨٠: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والسدي وابن زيد: أن الله تعالى يخبر عباده بأن الأموال والأولاد اختبار وابتلاء وامتحان من الله لقلوبكم؛ هل تحملكم محبة أموالكم وأولادكم والشفقة عليهم على خيانة الله والرسول وترك الجهاد وأكل الحرام وإفشاء الأسرار للأعداء صيانةً لمصالحهم الدنيوية؟ أم تؤثرون طاعة الله ورسوله على حظوظ الأولاد والأموال؟ ثم رغبهم في الباقي: {وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}؛ فثواب الله وجنته خير وأبقى من كل متاع الدنيا الفانية.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 41)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤١: يوضح ابن كثير أن سبب خيانة أبي لبابة وغيره إنما كان الشفقة على الأهل والمال؛ إذ كان لأبي لبابة أموال وأولاد عند بني قريظة فخشي عليهم، فنبه الله على أن المال والولد سلاح ذو حدين وفتنة تعرض العبد للمهالك إن لم يضبط محبتهما بميزان الشرع؛ وفي الحديث الصحيح: «إن الولد مجبنة مبخلة محزنة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَنَّمَا}: كافة ومكفوفة أداة حصر.
{فِتْنَةٌ}: ابتلاء وامتحان واختبار يظهر به معدن الإنسان؛ ومن فتنة المال والبخل به ومنعه من الإنفاق؛ ومن فتنة الولد الجبن عن الجهاد والخوف عليه.
{أَجْرٌ عَظِيمٌ}: الأجر هو الجزاء على العمل الصالح؛ والعظيم الذي لا تحيط بوصفه العقول وهو نعيم الجنة ورضوان الله.
الإعراب والتركيب:
{وَاعْلَمُوا}: الواو عاطفة، اعلموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{أَنَّمَا}: كافة ومكفوفة أداة حصر.
{أَمْوَالُكُمْ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{وَأَوْلَادُكُمْ}: معطوف على أموالكم مرفوع مثله والكاف مضاف إليه.
{عَظِيمٌ}: نعت لـ (أجر) مرفوع بالضمة؛ وجملة (عنده أجر عظيم) في محل رفع خبر أنّ؛ والمصدر المؤول معطوف على ما قبله.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف العلة النفسية وراء الخيانة ومعالجتها:
لما نهى عن الخيانة في الآية السابقة {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ}، كشف في هذه الآية عن "المحرك الباطني" والدافع النفسي الأكبر الذي يجر الإنسان إلى الخيانة والفرار والغلول: وهو التعلق بالأموال والأولاد.
ثم عالج هذا الداء بالمقابلة الباهرة: ببيان أن ما عند الله من الأجر والنعيم أعظم وأكرم وأنفع للأولاد والآباء من حطام الدنيا الزائل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كون الولد والمال نعمة فكيف يوصفان بأنهما فتنة؟:
هل وصفهما بالفتنة يقتضي ذمهما أو التخلي عنهما والتزهيد في الإنجاب والكسب؟
الدفع والمحاكمة الشرعية والعقلية:
الفتنة في لغة القرآن لا تعني الشر المحض، بل تعني "محل الاختبار والامتحان"؛ فالمال والولد من أعظم نعم الله إذا استُعملا في طاعته، ولكن هذا الإنعام محفوف بالخطر والابتلاء؛ فإما أن يكونا وسيلة إلى الجنة بحسن الرعاية والإنفاق والتربية الصالحة، وإما أن يكونا سبباً في الهلاك بالوقوع في الحرام والجبن والغلول؛ فوصفهما بالفتنة هو تنبيه وتوجيه للرعاية والحذر وليس ذماً للنعمة في ذاتها.
أسلوب الحصر بـ {أَنَّمَا} والتشبيه البليغ: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}؛ حصر الأموال والأولاد في كونها فتنة مبالغة في التحذير؛ وحذف أداة التشبيه (أي كالفتنة) للمبالغة والتماهي.
التنكير في {أَجْرٌ عَظِيمٌ}: تنكير تعظيم وتفخيم؛ يزهّد العبد في صغائر الدنيا أمام عظمة ما أعده الله للمتقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحرر من ضغط العاطفة الأسرية في مواطن المبدأ: أعظم ما يثبت الداعية والمجاهد ألا يجعل محبة الأهل والولد حائلاً بينه وبين الصدع بالحق أو التضحية في سبيل الله؛ فإن خيانة المبدأ صيانةً للولد تورث خسران الدارين.
الاستثمار الحقيقي للأولاد والأموال: تحويل الفتنة إلى منحة بتربية الأولاد على حب الله والجهاد، وتطهير الأموال بالزكاة والصدقات لتكون زاداً إلى الدار الآخرة.