صحيح البخاري (كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال، حديث رقم 4648)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٤٨: يروي البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «قال أبو جهل بن هشام: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، فنزلت: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 498)جامع البيانالطبري١٣/٤٩٨: يروي الطبري عن مجاهد والسدي وقتادة: أن هذا القول كان ذروة العناد والجهل والمكابرة من أبي جهل وصناديد قريش؛ فبدلاً من أن يقولوا: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه"، قالوا لفرط حسدهم وبغيهم: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ فاستفتحوا بالهلاك على أنفسهم وسألوا العذاب بالحجارة كما عُذب قوم لوط وأصحاب الفيل، فعوجلوا بالقتل في بدر بحجارة السجيل أو بسيوف الملائكة والصحابة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَأَمْطِرْ}: الإمطار في القرآن يغلب استعماله في العذاب؛ يقال: مطرت السماء بالرحمة والغيث، وأمطرت بالحجارة والعذاب، كقوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ}.
{حِجَارَةً}: جمع حَجَر، وهو المادة الصلبة المعروفة.
{أَلِيمٍ}: فعيل بمعنى مفعول أو فاعل؛ أي مؤلم يبلغ غاية الإيجاع للجسد والروح.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذْ}: الواو عاطفة، إذ ظرف مفعول به لفعل محذوف (واذكر إذ قالوا).
{قَالُوا}: فعل ماض وفاعله، والجملة مضاف إليه لـ (إذ).
{اللَّهُمَّ}: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب، والميم المشددة عوض عن حرف النداء المحذوف.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
{هَٰذَا}: اسم كان مبني في محل رفع.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ.
{الْحَقَّ}: خبر كان منصوب بالفتحة (أو خبر هو، والجملة خبر كان).
{مِنْ عِندِكَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الحق والكاف مضاف إليه.
{فَأَمْطِرْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، أمطر فعل دعاء بصيغة الأمر والفاعل مستتر تقديره أنت.
{عَلَيْنَا}: متعلقان بـ (أمطر).
{حِجَارَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: متعلقان بمحذوف نعت لـ (حجارة).
{أَوِ}: حرف عطف للتخيير والتقسيم وحرك بالكسر للساكنين.
{ائْتِنَا}: فعل دعاء وأمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر، و(نا) مفعول به، والجملة معطوفة على ما قبلها، وجملة جواب الشرط في محل جزم.
وروي عن بعض القراء في الشواذ رفعه خبراً للمبتدأ (هو).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير غريب للانتكاس النفسي والعقلي:
الإنسان العاقل إذا شك في أمر بحث عن الحقيقة وقال: اللهم إن كان حقاً فاهدني إليه.
لكن عقول قريش بلغت من الانتكاس والعمى حداً سألوا معه الهلاك والعذاب بدل الهداية؛ لفرط تعصبهم وحسدهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتفضيلهم الموت على الانقياد لبني هاشم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الحكمة من دعاء المشركين على أنفسهم بهذا الدعاء الغريب:
لماذا سألوا الحجارة والعذاب ولم يسألوا آية أخرى؟
الدفع والمحاكمة النفسية والسننية:
هذا الأسلوب أسلوب "التعجيز والمكابرة المطبقة"؛ كأن أبا جهل يقول لقومه: إنني على يقين مطلق بأن ما جاء به محمد باطل ومستحيل أن يكون حقاً، وتيقني من بطلانه كيقيني بأنه يستحيل أن تنزل علينا حجارة من السماء؛ فلو كان حقاً فأنا مستعد لتحمل نزول الحجارة! فهذا مظهر من مظاهر الاستدراج والغرور القاتل الذي يورده صاحبه الموارد ويستجلب به نقمة الله.