تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 393)جامع البيانالطبري١٣/٣٩٣: يروي الطبري بإسناده عن مجاهد وابن عباس والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق في سبب نزول الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه خروج أبي سفيان بعير قريش من الشام، ندب المسلمين للخروج معه لأخذها تعويضاً عما نهبته قريش من أموالهم بمكة؛ فلما أفلتت العير وورد الخبر بنفير قريش بجيشها من مكة لنصرة أموالهم، استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في ملاقاة الجيش، فكره فريق من المؤمنين ملاقاة العدو لعدم استعدادهم للقتال وعدم أخذهم لأهبة الحرب؛ فأنزل الله هذه الآية مبكتاً لكراهتهم، ومذكراً إياهم بأن خروجه كان بأمر الله وحكمه الحق، وأن عاقبة ذلك الخروج المكروه كانت أعظم نصر وفتح في تاريخ الإسلام.
صحيح مسلم (كتاب الجهاد والسير، حديث رقم 1779)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٧٩: روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن معاذ فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟! والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو ضربت بنا برك الغماد لفعلنا... فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين...».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 12)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢: يوضح ابن كثير وجه الشبه في قوله {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}: أي كما أن خروجك من المدينة لملاقاة المشركين كان في ظاهره شاقاً ومكروهاً لنفوس فريق منهم ثم كانت عاقبته النصر والظفر والخير العظيم والمغانم؛ فكذلك انتزاع الأنفال وجعلها لله ورسوله وقسمتها على السواء كان كافياً لتأليف القلوب، فثقوا بتدبير الله فإنه خير لكم من تدبيركم لأنفسكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَخْرَجَكَ}: الخروج ضد الدخول؛ والمراد إخراجه صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة (بيته ومأرزه ومستقره) متوجهاً إلى بدر.
{بِالْحَقِّ}: الحق هو العدل والحكمة والوحي الصادق؛ أي أخرجك إخراجاً ملتبساً بالحق والحكمة الربانية.
{لَكَارِهُونَ}: الكراهة نفور النفس وثقل الشيء عليها؛ والمراد كراهة القتال وملاقاة الجيش المسلح لقلة عددهم وعُددهم.
الإعراب والتركيب:
{كَمَا}: الكاف حرف جر وتشبيه، (ما) مصدرية، والمصدر المؤول في محل جر بالكاف متعلق بمحذوف تقديره: امضِ لأمرك في قسمة الأنفال كما أخرجك ربك، أو متعلق بـ {حَقًّا} في الآية السابقة (أي حقاً كما أخرجك)، أو متعلق بـ {فَاتَّقُوا اللَّهَ}.
{أَخْرَجَكَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والكاف مفعول به.
{رَبُّكَ}: فاعل مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه.
{مِن بَيْتِكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أخرجك)، والكاف مضاف إليه، والمراد ببيته المدينة المنورة أو مسكنه بها.
{بِالْحَقِّ}: الباء للملابسة، الحق اسم مجرور والجار والمجرور في محل نصب حال من الفاعل (أي محقاً) أو من المفعول أو من الإخراج.
{وَإِنَّ}: الواو واو الحال، إن حرف توكيد ونصب.
{فَرِيقًا}: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (فريقاً).
{لَكَارِهُونَ}: اللام المزحلقة، كارهون خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة (وإن فريقاً لكارهون) في محل نصب حال.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون خلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه الارتباط بين هذه الآية وبين آية الأنفال الأولى: الكاف للتشبيه والربط؛ فالمسلمون حين اختلفوا في الأنفال وكره بعضهم انتزاعها وقسمتها بالسوية، ذكرهم الله بأن تدبير الله لهم خير من تدبيرهم لأنفسهم؛ فكما كره فريق منهم الخروج لملاقاة ذات الشوكة وأرادوا العير السهلة، فصرفهم الله إلى ما كرهوه وكانت عاقبته النصر الأكبر والفرقان الأبدي؛ فكذلك حكم الله في الأنفال وقسمتها هو الخير والحق وإن كرهته بعض النفوس في البداية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كراهة الصحابة للجهاد وخروج بدر:
طعن بعض الملاحدة والمستشرقين في صدق الصحابة متشبثين بقوله: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} وزعموا أنهم كانوا جبناء خائفين من الموت!
الدفع والمحاكمة الرصينة عند أئمة التحقيق:
الكراهة المذكورة هنا ليست كراهة لأمر الله ولا حكماً من أحكام دينه (فهذا كفر ينزه عنه الصحابة قطعاً)، وإنما هي كراهة طبيعية بشرية لملاقاة جيش جرار يفوقهم ثلاثة أضعاف في العدد والعتاد؛ لأنهم خرجوا في الأصل لطلب العير وليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرسان وبنادق خفيفة ولم يكونوا متأهبين لمعركة كبرى؛ كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]؛ فالطبع البشري ينفر من القتل والجراح والهلاك، ولكنهم قهروا هذا الطبع وانقادوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضربوا في بدر أروع ملاحم البطولة والتضحية حتى استشهد منهم من استشهد وثبت الباقون حتى نصرهم الله؛ فنزول الآية مسجل لضعفهم البشري ابتداءً ليعظم فضل الله عليهم بالثبات والفتح انتهاءً.
إسناد الإخراج إلى الرب المضاف {أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}: إضافة الرب إلى كاف الخطاب النبوي إشعار برعاية الله وحفظه وتدبيره الحكيم لرسوله؛ فخروجه لم يكن طيشاً ولا تهوراً بشرياً بل كان بتدبير ربه وتأييده.
التنكير في {فَرِيقًا}: لبيان أن هذه الكراهة العارضة لم تكن عامة في كل الصحابة، بل كانت من فريق منهم، بينما كان كبار المهاجرين والأنصار (كسعد بن معاذ والمقداد بن عمرو وأبي بكر وعمر) في غاية الحماسة والثبات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسليم للتدبير الإلهي الخفي: كثيراً ما تكره النفس أمراً ويكون فيه الخير المحض؛ والواجب على المؤمن تقديم أمر الله ورسوله على رغبات النفس وأهوائها: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
واقعية التربية القرآنية: القرآن لا يصور المؤمنين ملائكة مجردين عن المشاعر البشرية، بل يصورهم بشراً يعتريهم الخوف والتردد الطبيعي، ثم يعالجهم بالوحي ويزكيهم حتى يبلغوا القمة في الثبات والشجاعة.