صحيح مسلم (كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، حديث رقم 1763)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٦٣: يروي الإمام مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض! فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}، فأمدهم الله بالملائكة».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 408)جامع البيانالطبري١٣/٤٠٨: يروي الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «جاءت ريح شديدة لم نر مثلها قط، ثم جاءت ريح أخرى، ثم جاءت ريح أخرى؛ فالأولى كانت جبريل نزل في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، والثانية ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها علي، والثالثة إسرافيل في ألف».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 17)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٧: يوضح ابن كثير أن الاستغاثة هي طلب الغوث والنصر عند الكرب والشدة؛ فبين الله للمؤمنين أن نصرهم في بدر لم يكن بكثرة عددهم ولا بجودة سلاحهم، بل كان ثمرة تضرع نبيهم واستغاثتهم الصادقة بالله، فاستجاب لهم فوراً بإنزال الملائكة الكرام مقاتلين ومثبتين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَسْتَغِيثُونَ}: الاستغاثة استفعال من الغوث، وهو طلب الإعانة والنصرة والإنقاذ من الشدة والهلاك؛ وغياث المستغيثين هو الله مفرّج الكروب.
{فَاسْتَجَابَ}: السين والتاء لتأكيد الفعل وسرعته؛ أي أجاب دعاءكم فوراً بلا إبطاء.
{مُمِدُّكُم}: الإمداد إرسال المدد والعون المتتابع دفعات لتقوية الضعيف.
{مُرْدِفِينَ}: من الإرداف، وهو تتابع الشيء بعضه خلف بعض؛ يقال: أردف فلان فلاناً إذا ركب خلفه أو تلاه مباشرة؛ أو رَدَفَهم غيرهم؛ فمعناه يأتون أرتالاً وأفواجاً متتابعة يتبع بعضهم بعضاً.
الإعراب والتركيب:
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره (واذكروا إذ تستغيثون).
{تَسْتَغِيثُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذ).
{رَبَّكُمْ}: مفعول به منصوب والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{فَاسْتَجَابَ}: الفاء عاطفة للتعقيب السريع، استجاب فعل ماض مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره هو.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (استجاب).
{أَنِّي}: أن حرف توكيد ونصب والياء اسمها.
{مُمِدُّكُم}: خبر أنّ مرفوع بالضمة وهو اسم فاعل، والكاف مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والمصدر المؤول (أني ممدكم) في محل جر بحرف جر محذوف تقديره: استجاب لكم بأني ممدكم.
{بِأَلْفٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ (ممدكم).
{مِّنَ الْمَلَائِكَةِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (ألف).
{مُرْدِفِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ إما من الملائكة (أي متتابعين يتبع بعضهم بعضاً)، أو من مفعول ممدكم (أي يتبع بعضكم بعضاً في النصر).
القراءات المتواترة:
قرأ نافع ويعقوب: {مُرْدَفِينَ} بفتح الدال مبنياً للمفعول؛ أي يردفهم غيرهم من الملائكة ويمدهم الله بأمداد أخرى.
وقرأ الباقون من القراء العشرة: {مُرْدِفِينَ} بكسر الدال اسم فاعل؛ أي ركائب الملائكة يتبع بعضهم بعضاً، أو يردف المسلمين بالنصر.
وهما قراءتان متكاملتان في كمال الإمداد الرباني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما صور القرآن ضعف المسلمين البشري وميلهم للعير ومفاجأة القتال في الآيات السابقة، بين هنا كيف تحول هذا الضعف إلى قوة باهرة: وذلك باللجوء إلى كهف الاستغاثة والتضرع والانكسار بين يدي الله؛ فكان هذا التحول النفسي هو مفتاح النصر السماوي ونزول جند الله.
التعبير بالفعل المضارع {تَسْتَغِيثُونَ} بعد ظرف الماضي {إِذْ}: لاستحضار المشهد العظيم وتصوير حالة الاستغاثة والضراعة كأنها تقع الآن أمام السامع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التوفيق بين عدد الملائكة في الأنفال (ألف) وفي آل عمران (ثلاثة آلاف وخمسة آلاف):
زعم بعض المشككين وجود تناقض بين قوله هنا: {بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ} وقوله في آل عمران: {أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 124-125]!
الدفع والمحاكمة الجمعية الرصينة عند أئمة التفسير والحديث:
لا تعارض البتة بين الآيات؛ بل هو تدرج في الإمداد وزيادة في البشارة والتثبيت بحسب تطور الموقف:
بدأ الإمداد بألف من الملائكة مردفين كما نصت سورة الأنفال استجابة للاستغاثة الأولى.
ثم وعدهم الله إن لم يكتفوا بذلك أو بلغتهم إمدادات قريش أن يضاعف المدد إلى ثلاثة آلاف.
ثم علق الزيادة إلى خمسة آلاف بشرط الصبر والتقوى ومباغتة العدو لهم.
فالألف كان المدد الفعلي المباشر الذي قاتل معهم في بدر، والزيادات كانت بشارات معلقة على شروط؛ وقيل: بل أنزل الله الألف ثم تلاهم ألفان فصاروا ثلاثة، ثم كملوا خمسة آلاف مردفين؛ فكل نص يصف مرحلة من مراحل الفضل الإلهي.
سرعة الاستجابة بالفاء في {فَاسْتَجَابَ}: الفاء للتعقيب والسرعة الخاطفة؛ للدلالة على أن دعاء المضطر المستغيث المخلص يفتح أبواب السماء وتتنزل إجابته فوراً.
التعبير بـ {رَبَّكُمْ}: استحضار لصفة الربوبية المتضمنة للتربية والرحمة والحماية والنصرة لأوليائه.
إشاري وتدبري: الملك الواحد (كجبريل عليه السلام) قادر بأمر الله وجناح واحد منه أن يقلب مدائن قوم لوط أو يهلك جيش قريش كله؛ فلماذا أرسل الله ألفاً من الملائكة؟! الجواب: لإكرام المؤمنين، وإظهار العناية بهم، ومشاركتهم في ميادين الجهاد، وتطييب قلوبهم برؤية جند السماء تحفهم في المعركة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستغاثة سلاح المضطر وسر النصر: في أحلك الظلمات وعند اشتداد الكروب وانقطاع الأسباب المادية لا يملك المؤمن سلاحاً أمضى من رفع اليدين بالاستغاثة بالحي القيوم؛ فإن التذلل لله يورث العزة والنصر.
الموازنة بين الدعاء والعمل: النبي صلى الله عليه وسلم ظل يدعو ويهتف بربه في العريش حتى سقط رداؤه، ولكنه مع ذلك كان قد عبأ الجيش ورتب الصفوف ونظم السرايا وأخذ بأقصى الأسباب؛ فالإسلام يجمع بين صدق التوكل والأخذ التام بالأسباب.