تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 597)جامع البيانالطبري١٣/٥٩٧: يروي الطبري بإسناده عن مجاهد وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: أن المعنى: وإما تخافن يا محمد من قوم بينك وبينهم عهد خيانةً ومكراً ونكثاً، بظهور أمارات الغدر وبوادر التآمر منهم، فلا تباغتهم بالحرب وهم يظنون أن العهد باقٍ فتكون خائناً مثلهم؛ بل ألقِ إليهم عهدهم، وأعلمهم إعلاماً صريحاً واضحاً بأنك قطعت العهد وألغيت الهدنة؛ حتى يستوي علمك وعلمهم بانقطاع الأمان وتصيروا {عَلَىٰ سَوَاءٍ} في العلم بالحرب؛ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}؛ فلا يبيح الإسلام الغدر حتى مع من يُتوقع منهم الغدر.
سنن أبي داود والترمذي ومسند أحمد (عن سليم بن عامر قال): «كان بين معاوية بن أبي سفيان وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب منهم، فإذا انقضى الأجل غزاهم؛ فإذا برجل على فرس يصيح: الله أكبر! الله أكبر! وفاء لا غدر! فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه؛ فسأله معاوية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهداً ولا يشدنه حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء! فرجع معاوية بالجيش ولم يغزهم».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 80)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨٠: يوضح ابن كثير أن هذا النص القرآني يمثل قمة النبل والشرف الأخلاقي في العلاقات الدولية؛ فالإسلام يحرم الغدر والمباغتة للعدو المعاهد، ويوجب الإشعار العلني بنبذ العهد قبل الشروع في أي عمل عسكري.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَخَافَنَّ}: الخوف هنا ليس الجبن والخور، بل هو العلم والظن الغالب وظهور القرائن القاطعة الدالة على إعدادهم للخيانة.
{فَانبِذْ}: النبذ هو الطرح والإلقاء للشيء وإبعاده؛ ونبذ العهد إلقاؤه إليهم وإلغاؤه علناً.
{عَلَىٰ سَوَاءٍ}: السواء العدل والاستواء؛ أي على استواء في العلم بنقض العهد، لا أنت تعلم وهم يجهلون.
الإعراب والتركيب:
{وَإِمَّا}: الواو عاطفة، إن شرطية وما زائدة للتوكيد.
{تَخَافَنَّ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{مِن قَوْمٍ}: متعلقان بـ (تخافن).
{خِيَانَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة، أو مفعول لأجله.
{فَانبِذْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، انبذ فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{إِلَيْهِمْ}: متعلقان بـ (انبذ).
{عَلَىٰ سَوَاءٍ}: جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل والمفعول معاً (أي مستوين في العلم بنقض العهد).
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم إن منصوب.
{لَا}: نافية.
{يُحِبُّ}: فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر.
{الْخَائِنِينَ}: مفعول به منصوب بالياء، والجملة في محل رفع خبر إن، والجملة تعليلية لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التشريع الأخلاقي الأعلى في التعامل مع النوايا الخفية:
في الآية السابقة شَرع الحكم فيمن أظهر الخيانة فعلاً وباشر نقض العهد: {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}.
وفي هذه الآية شَرع الحكم فيمن لم يباشر النقض بعد، ولكن ظهرت منه علامات الغدر وأماراته وبوادر الخيانة: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً}.
فمنع المسلمين من مبادلتهم الغدر بالغدر، وأوجب الإجراء الدبلوماسي الشريف: وهو إعلامهم بنبذ العهد على سواء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نقض العهد بمجرد الخوف والشكوك:
هل يجوز للمسلمين فسخ المعاهدات بمجرد توهمات أو شكوك نفسية عارضة؟
الدفع والمحاكمة الفقهية والقانونية:
الخوف المعتبر شرعاً في الآية ليس الشك العابر ولا الأوهام، بل هو "الظن الغالب المستند إلى قرائن وأمارات قطعية وشواهد عملية حية" على استعداد العدو للغدر (كحشد الجيوش على الحدود، أو مراسلة الأعداء سراً، أو التخلف عن بنود المعاهدة)؛ فحينئذ لا يلزم المسلمين أن ينتظروا حتى يتلقوا الضربة المباغتة، بل يجوز لهم إلغاء العهد، ولكن بشرط ألا يبدأوهم بقتال حتى يبلغوهم رسمياً بإلغاء العهد: {فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ}؛ ليأخذ الجميع حذره؛ وهذا غاية العدل والشرف الذي لا يوجد في أي قانون وضعي.
البلاغة في التعبير بـ {عَلَىٰ سَوَاءٍ}: استعارة تمثيلية للوضوح والشفافية التامة؛ تستوي كفتا الميزان في المعرفة، فلا يبقى غموض ولا استغفال؛ فالإسلام دين وضوح ونور يكره الخداع والأساليب الملتوية.
التذييل بـ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}: إعلان صريح بأن الخيانة ممقوتة عند الله على الإطلاق، حتى لو كانت موجهة ضد أعداء كفار؛ فالقيم الأخلاقية في الإسلام مطلقة لا تتجزأ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشرف في الخصومة والقتال: أعظم ما يميز الأمة المسلمة تمسكها بالأخلاق والوفاء حتى في أشد لحظات الصراع؛ فالمسلم لا يغدر ولا يخون، وإذا أراد الحرب أعلنها بشرف وشجاعة.
الجمع بين الحذر والأمانة: الآية تعلم الأمة اليقظة الدائمة وقراءة تحركات الأعداء دون سذاجة، مع الالتزام التام بقواعد الشرف والأمانة.