تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 512)جامع البيانالطبري١٣/٥١٢: يروي الطبري بإسناده عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: «أن قريشاً كانت تطوف بالبيت عراة - الرجال بالنهار والنساء بالليل - يصفرون ويصفقون؛ فالمُكاء هو الصفير بأفواههم، والتصدية هي التصفيق بأيديهم؛ وكانوا يفعلون ذلك عبادة بزعمهم، أو تشويشاً على النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى عند الكعبة ليلبسوا عليه صلاته وقراءته؛ فأنكر الله عليهم تلك العبادة الوثنية الباطلة؛ وتوعدهم: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} بالقتل والأسر يوم بدر، والنار في الآخرة».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 51)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥١: يوضح ابن كثير أن المشركين استبدلوا الصلاة الخاشعة المشروعة التي شرعها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بالصفير والتصفيق واللغو والصياح والعري؛ فكانت صلاتهم منكرات ومهزلة تسلب البيت حرمته؛ فكيف يدعون بعد ذلك ولاية البيت؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُكَاءً}: المُكاء بضم الميم وتخفيف الكاف مأخوذ من مكا يمكو مكاءً إذا صفر بفمه؛ والمكّاء طائر يصوت صفيراً.
{وَتَصْدِيَةً}: التصدية التصفيق باليدين؛ وقيل مأخوذة من الصدى وهو الصوت المرتد؛ وقيل من الصد لأنهم كانوا يصدون بها عن الصلاة واستماع القرآن.
الإعراب والتركيب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما نافية.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{صَلَاتُهُمْ}: اسم كان مرفوع وعلامة رفعه الضمة والهاء مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{عِندَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف حال من صلاتهم أو متعلق بكان.
{الْبَيْتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{إِلَّا}: أداة حصر ملغاة.
{مُكَاءً}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{وَتَصْدِيَةً}: معطوف على مكاء منصوب بالفتحة.
{فَذُوقُوا}: الفاء فصيحة، ذوقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{الْعَذَابَ}: مفعول به منصوب.
{بِمَا}: الباء سببية، (ما) مصدرية، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ (ذوقوا).
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص والتاء اسمه.
{تَكْفُرُونَ}: خبر كان؛ والتقدير: فذوقوا العذاب بسبب كفركم.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف وتعرية حقيقة شعائرهم عند الكعبة: بعد أن نفى ولايتهم للبيت الحرام في الآية السابقة، أثبت هنا فساد عبادتهم عنده؛ فبين أنهم لا يعرفون من حرمة البيت إلا الطقوس العابثة من الصفير والتصفيق والتشويش؛ فصاروا أحق الناس بالطرد والمقت، واستوجبوا تذوق العذاب ببدر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إطلاق اسم "الصلاة" على المكاء والتصدية:
كيف يسمى الصفير والتصفيق صلاة مع أنه ليس صلاة شرعية؟
الدفع والمحاكمة البلاغية واللغوية:
التسمية هنا جاءت على سبيل التهكم بهم ومجاراتهم في زعمهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أن هذا التصفيق والصفير تقرب إلى الله وعبادة؛ فبين القرآن أن صلاتهم المزعومة ما هي إلا طرب ولهو وسفاهة.
وقيل: معناه: ما كان بدل صلاتهم المشروعة إلا مكاء وتصدية؛ أي وضعوا اللهو مكان الصلاة والخشوع.
أسلوب الحصر والتهكم: {إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}؛ حصر صلاتهم في هذين الصوتين التافهين إبرازاً لسخافة الوثنية وفراغها الروحي من أي معنى للخشوع والتعظيم.
التفريع بالفاء {فَذُوقُوا}: ترتب العذاب الحتمي السريع على كفرهم وتدنيسهم لشعائر التوحيد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة المساجد عن اللهو والتصفيق: بيوت الله إنما بنيت لذكر الله وتلاوة القرآن وإقامة الصلاة بالخشوع والسكينة والوقار؛ ومن التشبه بالمشركين تحويل مجالس العبادة إلى تصفيق وصياح وطرب؛ فالأدب مع الله يقتضي الخضوع والسكوت.
جوهر العبادة هو الخشوع: العبادة ليست مجرد حركات وأصوات صورية خالية من حضور القلب والإخلاص؛ فمن لم تثمر صلاته خوفاً وامتثالاً كان بعيداً عن مقصود الشارع.