تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 458)جامع البيانالطبري١٣/٤٥٨: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن جريج: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ}: أي لو علم في قلوبهم إرادة للحق أو رغبة في الرشد وطلباً للهداية لأسمعهم سماع فهم وتوفيق ينفذ إلى قلوبهم فينتفعون به؛ {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ}: أي على فرض إفهامهم وإقامة الحجة القاطعة على عقولهم بحيث لا يبقى لهم شبهة، {لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ}: أي لأعرضوا عن الحق عناداً واستكباراً؛ لأن نفوسهم قد تشربت الكبر والخبث فصارت عصية على الانقياد.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 34)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٤: يوضح ابن كثير كمال علم الله تعالى بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ فأخبر تعالى عن كفار قريش ومنافقيها أنه لا خير فيهم يقبل الهداية؛ ولو أسمعهم وخلق فيهم الفهم والإدراك التام لتولوا معاندين بعد وضوح الدليل؛ لعلمه سبحانه بفساد طواياهم وخبث سرائرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{خَيْرًا}: الخير اسم جامع لكل ما يرغب فيه العقل وتطمئن إليه الفطرة؛ والمراد هنا استعداد القلب للإيمان والانقياد والتجرد لطلب الحق.
{لَّأَسْمَعَهُمْ}: الإسماع هنا إسماع التوفيق والقبول، أو إسماع إدراك الحجة.
{مُّعْرِضُونَ}: اسم فاعل من أعرض، والإعراض هو الصد وتولية الظهر استكباراً وكرهاً.
الإعراب والتركيب:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، (لو) حرف امتناع لامتناع يفيد الشرط غير الجازم.
{عَلِمَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فِيهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (علم) أو بمحذوف حال من (خيراً).
{خَيْرًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{لَّأَسْمَعَهُمْ}: اللام واقعة في جواب لو، أسمع فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به أول والميم علامة الجمع، والمفعول الثاني محذوف تقديره (الحق)، وجملة لأسمعهم جواب لو لا محل لها.
{وَلَوْ}: الواو عاطفة، لو شرطية.
{أَسْمَعَهُمْ}: فعل ماض ومفعوله والفاعل مستتر.
{لَتَوَلَّوا}: اللام واقعة في جواب الشرط، تولوا فعل ماض والواو فاعل والجملة جواب لو.
{وَّهُم}: الواو واو الحال، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{مُّعْرِضُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لـ (تولوا).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
غاية التحقيق العقلي في حسم أوهام المعتذرين: بعد أن وصفهم بأنهم صم بكم لا يعقلون، قطع الله كل حجة لمن قد يقول: لو أن الله أسمعهم الحق أو بسط لهم الحجة لآمنوا؛ فكشف الله أن مانع إيمانهم ليس خفاء الدليل، بل هو انعدام الخير في ذواتهم، واستحكام العناد في طبائعهم؛ فلو قُدر إيصال الحق إلى أسماعهم بأوضح برهان لردوه استكباراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة سلب الاختيار والاحتجاج بالقدر على الكفر:
زعم بعض المبطلين أن الآية تدل على أن الله منعهم السماع قهراً وجبراً فكيف يعذبهم؟
الدفع والمحاكمة العقدية السنية الرصينة:
الآية صريحة في إثبات عدل الله التام؛ فعلم الله تعالى أزلي محيط يكشف ما تنطوي عليه نفوسهم من الشر والكبر الكامن باختيارهم وإرادتهم الحرة؛ فالله لا يمنع هداية التوفيق إلا عمن علم أنه لا يصلح لها لفساد قصده وإصراره على الباطل؛ فالحرمان ثمرة لاختيارهم الفاسد وسوء طويتهم، وليس ظلماً من الله تعالى؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5].
وقوله: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا} يثبت إصرارهم الشخصي على المعاندة حتى مع قيام الحجة؛ فبطل الاحتجاج بالقدر وثبت استحقاقهم للعقوبة التامة.
إحاطة علم الغيب بما لم يكن لو كان كيف يكون: هذا من أظهر خصائص العلم الإلهي المحيط؛ فالله يعلم المستحيلات والممتنعات ومآلاتها لو فرض وجودها؛ كقوله تعالى في أهل النار: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28].
الحال المؤكدة بـ {وَّهُم مُّعْرِضُونَ}: زيادة في تقبيح حالهم؛ فالتولي قد يكون بحركة البدن مع بقاء التفات القلب، أما التولي المقترن بالإعراض التام فهو الانقطاع الكامل عن أي أمل في الرشد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلامة القلب شرط التوفيق الإلهي: الهداية منحة إلهية لا يضعها الله إلا في القلوب الصادقة المتجردة التي فيها بذور الخير؛ فمن أصلح سريرته وأقبل على الحق بصدق فتح الله له أبواب الفهم واليقين.
اليأس من استجابة المعاند المستكبر: على الداعية أن يدرك أن بعض الخصوم لا تنفع معهم كثرة البراهين لأن مشكلتهم نفسية متجذرة في الكبر؛ فلا يذهب نفسه عليهم حسرات.