جامع الترمذي ومسند أحمد وتفسير الطبري (ج 13، ص 502)مصدر غير محدد١٣/٥٠٢حسن: يروي الترمذي بإسناد حسن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل الله عليّ أمانين لأمتي: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}؛ فإذا مضيتُ تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة».
صحيح البخاري (كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال): يروي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: قدٍ قدٍ - أي كفى كفى اقتصروا على هذا - فيقولون: إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك! ويقولون: غفرانك غفرانك! فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}؛ فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة عذبهم الله ببدر، وبقي بقية من المستضعفين بمكة يستغفرون، فلما خرجوا فتح الله مكة فنزل العذاب».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 47)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧: يوضح ابن كثير أن الآية قررت صمامين عظيمين للأمان من العذاب العام المستأصل:
الصمام الأول: وجود شخص النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم؛ فإن سنة الله مضت ألا يعذب أمة بعذاب استئصال وعام ونبيها مقيم بين أظهرهم حتى يخرجه الله منها سالماً.
الصمام الثاني: الاستغفار؛ فما دام في الأمة أو القرية مستغفرون تائبون ينيبون إلى الله، فإن الله يدفع عنهم العذاب العام ببركة الاستغفار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لِيُعَذِّبَهُمْ}: اللام لام الجحود المنفية بما كان، وتفيد تأكيد النفي ونفي الشأن والعلة؛ أي ما ينبغي ولا يليق بحكمة الله وسنته أن يعذبهم.
{يَسْتَغْفِرُونَ}: طلب المغفرة والستر والتجاوز عن الذنوب.
الإعراب والتركيب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، (ما) نافية.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة اسم كان مرفوع بالضمة.
{لِيُعَذِّبَهُمْ}: اللام لام الجحود حرف جر ونصب، يعذب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به والميم علامة الجمع، والمصدر المؤول في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر كان تقديره: ما كان الله مريداً لعذابهم.
{وَأَنتَ}: الواو واو الحال، أنت ضمير منفصل مبتدأ.
{فِيهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ}: ما نافية، كان واسمها.
{مُعَذِّبَهُمْ}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله.
{وَهُمْ}: الواو واو الحال، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{يَسْتَغْفِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر هم، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جواب إلهي فائق الرحمة والحكمة على حماقة المستعجلين بالعذاب:
في الآية السابقة قالوا بجهل: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ}.
فبيّن الله هنا لماذا لم يعاجلهم بتلك الحجارة المستأصلة فور دعائهم؛ فكشف عن الصمامين الإلهيين: إكراماً لوجود النبي صلى الله عليه وسلم بينهم بمكة {وَأَنتَ فِيهِمْ}، ووجود المستغفرين من المؤمنين المستضعفين أو استغفارهم هم {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
ثم التمهيد للآية التالية التي تعلن رفع هذا الأمان بمفارقة النبي لهم وزوال الاستغفار.
كيف ينفي تعذيبهم في الآية 33 ثم يقرر تعذيبهم في الآية 34؟
الدفع والتحرير التفسيري عند أئمة التحقيق (الطبري وابن كثير والقرطبي):
لا تعارض البتة؛ لاختلاف الحال والزمان والنوع:
العذاب المنفي في الآية الأولى (33) هو: عذاب الاستئصال الجامع العام الخارق للعادة من السماء كالحجارة والريح والصيحة ما دام النبي بينهم أو ما دام فيهم من يستغفر.
العذاب المثبت في الآية الثانية (34) هو: عذاب السيف والقتل والأسر في الدنيا ببدر، وعذاب الآخرة في جهنم؛ لأنهم صَدّوا عن المسجد الحرام وأخرجوا النبي والمؤمنين المستغفرين منه؛ فلما خرج النبي وزال المانع استحقوا عذاب السيف ببدر؛ وبذلك تلتئم الآيتان في غاية الإحكام.
البلاغة في التعبير بـ {لِيُعَذِّبَهُمْ} بلام الجحود: لنفي إرادة العذاب الاستئصالي ما دام نبي الرحمة فيهم؛ كرامة لمقامه الشريف ورأفة بأمته.
المقابلة بين الجملة الفعلية والجملة الاسمية: في الموضع الأول قال: {لِيُعَذِّبَهُمْ} بالفعل، وفي الثاني قال: {مُعَذِّبَهُمْ} بالاسم؛ للدلالة على ثبوت الصفة واستقرار الأمان التام مع الاستغفار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستغفار صمام أمان الأمة والعالم: ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وبقي للأمة الأمان الثاني وهو الاستغفار؛ فما دامت الألسن رطبة بالاستغفار والقلوب منكسرة فإن نقم الله وعذابه العام مدفوعان عن العباد: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً».
بركة وجود الصالحين: وجود المصلحين والمستغفرين في بلد يدفع الله به البلاء عن سائر أهل البلد، حتى عن الظالمين؛ فإذا قل الاستغفار وكثر الخبث نزل البلاء.