تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 468)جامع البيانالطبري١٣/٤٦٨: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} قال: «أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب»؛ ونقل عن مجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة ومطرف بن عبد الله بن الشخير: أن هذا تحذير إلهي للمجتمع المسلم كلياً؛ إذا ظهر الظلم وفشا المنكر والفساد وسكت أهل الصلاح ولم يغيروا، نزل البلاء العام والعذاب الجارف فأصاب الظالم والساكت معاً، ثم يبعثون على نياتهم يوم القيامة.
صحيح البخاري (كتاب الفتن، باب ما جاء في قول الله تعالى: واتقوا فتنة...): يروي البخاري حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ فزعاً وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه... فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث!».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 37)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٧: يوضح ابن كثير الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَاتَّقُوا}: التقوى اتخاذ وقاية تحمي العبد من سخط الله وعقابه باجتناب المناهي وأداء الأوامر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
{فِتْنَةً}: الفتنة في الأصل اختبار الذهب بالنار لإزالة شوائبه؛ وتطلق على الابتلاء والمحنة والعذاب العام والفرقة والاقتتال واضطراب الأمور.
{خَاصَّةً}: الخصوص نقيض العموم؛ أي لا تقتصر إصابتها على الظالمين وحدهم بل تعم الجميع.
الإعراب والتركيب:
{وَاتَّقُوا}: الواو عاطفة، اتقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{فِتْنَةً}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{لَّا}: حرف نفي، أو ناهية في المعنى.
{تُصِيبَنَّ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم جواب طلب مقدر (نهي)، أو في محل رفع نعت لـ (فتنة) وإجراؤه مجرى النهي، والتقدير: احذروا فتنة تصيبكم عامة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
{ظَلَمُوا}: فعل ماض والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
{مِنكُمْ}: متعلقان بمحذوف حال من فاعل ظلموا.
{خَاصَّةً}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (تخصهم خاصة)، أو حال منصوبة من (الذين ظلموا).
{وَاعْلَمُوا}: الواو عاطفة، اعلموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب.
{شَدِيدُ}: خبر أنّ مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{الْعِقَابِ}: مضاف إليه مجرور، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي اعلموا.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور: {لَّا تُصِيبَنَّ} بالنون المشددة المؤكدة مع لا النافية أو الناهية.
وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود في غير المشهور: {لَتُصِيبَنَّ} باللام الموطئة للقسم؛ والمعنى قطعي في عموم الإصابة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الرائع لمسؤولية الجماعة المسلمة:
أمر أولاً بالاستجابة الفردية والجماعية لله وللرسول في الآية السابقة: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ}.
ثم حذر هنا من التخاذل المجتمعي عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فبيّن أن مجرد صلاح الفرد في خاصة نفسه لا ينجيه من العذاب إذا سكت عن الظلم العام وأقر المنكر؛ فالنجاة مشروطة بـ "الإصلاح" لا مجرد "الصلاح".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعذيب غير الظالم مع قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}:
كيف تصيب الفتنة والعذاب من لم يظلم والله يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}؟!
الدفع والمحاكمة العقدية والسننية الدقيقة:
لا تعارض البتة بين الآيتين؛ فالفتنة والعقاب المذكور هنا هو "عقاب دنيوي سنني كوني" ينزل بالمجتمع لخرابه وسقوط هيبته وتفشي الفوضى فيه عند ترك الإنكار؛ والساكت عن المنكر شريك فيه بسكوته ومداهنته ومخالطته للظلمة، فصار ظالماً بترك الواجب وهو الأمر بالمعروف؛ فهو يُعاقب على ذنبه هو (السكوت والرضا) لا على ذنب الفاعل الأصلي.
أما في الآخرة فالعدالة الإلهية تفصل بينهم؛ ففي الحديث الصحيح: «إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على أعمالهم»؛ فيُبعث الصالحون المستضعفون على نياتهم ومنازلهم، ويُعذب الظالمون بجرائمهم.
التوكيد بالنون في {لَّا تُصِيبَنَّ}: أسلوب نهي في صورة نفي، أو نفي تضمن معنى التحذير الشديد الملحاح؛ كأن الفتنة نار تأكل الأخضر واليابس ولا تميز بين معتدٍ وساكت.
التنكير في {فِتْنَةً}: تنكير تهويل وتفخيم؛ أي فتنة مهولة تعصف بالمجتمعات وتستأصل الأمان والدول.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المسؤولية التضامنية للأمة: الأمة المسلمة كركاب السفينة؛ إذا تركوا من يخرق السفينة غرقوا جميعاً، وإن أخذوا على يديه نجوا ونجوا جميعاً؛ والسكوت عن الفساد خيانة للأمة كلها.
الفرق بين الصالح والمصلح: الصالح يكتفي بإصلاح نفسه، والمصلح يسعى لحماية المجتمع؛ والله تعالى لا يهلك القرى وأهلها مصلحون {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}، ولم يقل "صالحون".