صحيح البخاري (كتاب التفسير، حديث رقم 4653 عن ابن عباس رضي الله عنهما): قال: «نزلت: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فكتب عليهم ألا يفر عشرون من مئتين، ثم نزلت: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} فكتب ألا يفر مئة من مئتين؛ فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 627)جامع البيانالطبري١٣/٦٢٧: يروي الطبري بإسناده عن مجاهد وقتادة وعطاء والسدي: أن هذا تخفيف ورحمة من الله تعالى؛ لما علم الضعف البشري الطارئ بتتابع دخول الناس في الإسلام ووجود من لم يصل إلى مرتبة الرسوخ المطلق كأهل بدر، خفف الله الفريضة فجعل الواحد يقابل اثنين بدلاً من عشرة؛ فحرم على مئة من المسلمين أن يفروا أمام مئتين من الكفار، وحرم على ألف أن يفروا أمام ألفين؛ فإن زاد العدو على المثلين جاز الانحياز ولا يعد فاراً موبقاً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 403)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٤٠٣: يقرر القرطبي إجماع الفقهاء على أن هذا الحكم ناسخ لفرض مقابلة الواحد لعشرة، وهو الحكم المستقر في شريعة الإسلام إلى يوم القيامة في فرض المصابرة عند اللقاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْآنَ}: اسم ظرفي للوقت الحاضر، مبني على الفتح في محل نصب.
{خَفَّفَ}: التخفيف هو تيسير التكليف وتسهيله ونقص ثقله عن العباد؛ ضد التثقيل.
وقرأ الباقون من العشرة: {ضُعْفًا} بضم الضاد؛ وهما لغتان فصيحتان في مصدر ضَعُفَ وضَعِفَ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرحمة الإلهية والتدرج التشريعي:
كشف القرآن للمؤمنين كيف يتعامل ربهم معهم بالرحمة والتيسير ومراعاة طاقاتهم البشرية.
تدرج الفرض: من عزيمة الواحد لعشرة لأهل الصفوة الأولى في بدر، إلى رخصة الواحد لاثنين لعموم الأمة؛ لتستقر الفريضة في حدود الاستطاعة الممكنة.
ثم التعقيب بقوله {بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}: لبيان أن النصر حتى في ميزان التخفيف لا يكون إلا بتوفيق الله ومعيته للصابرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قوله: {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} وتوهم حدوث العلم بعد الجهل:
زعم بعض المعطلة والجهال أن التعبير بـ {وَعَلِمَ} يفيد حدوث علم جديد لله تعالى لم يكن يعلمه سابقاً!
الدفع والمحاكمة العقدية الصارمة عند أهل السنة والجماعة:
علم الله تعالى أزلي أبدي محيط بكل شيء جملة وتفصيلاً قبل خلق السماوات والأرض؛ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة.
والمراد بـ {وَعَلِمَ} في الآية: "علم الظهور والشهادة والوقوع الحسي"؛ أي علم وقوع هذا الضعف وظهوره في الواقع العملي بينكم بعد أن كثر عدد الجيش ودخل فيهم الضعفاء والنساء والشباب والمستضعفون؛ فالتكليف يدور مع ظهور الأسباب في عالم الشهادة رحمة بالعباد؛ فالحادث هو المعلوم (وهو ضعف العباد الحسي) وليس العلم الإلهي الأزلي سبحانه وتعالى.
البدء بـ {الْآنَ}: كلمة حاسمة تدل على التوقيت التشريعي الفوري ونسخ ما قبله؛ لإشعار المؤمنين برفع الحرج وتنزيل التخفيف في حينه.
التنكير في {ضَعْفًا}: تنكير تقليل وتلطف؛ أي شيئاً من الضعف البشري العارض، تفضلاً من الله وتكرماً وتخفيفاً عليهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سماحة الشريعة والتخفيف عن المكلفين: شريعة الإسلام مبنية على رفع الحرج ومراعاة الطاقات؛ فإذا شق التكليف جاء التيسير الإلهي: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه».
الثبات واجب أمام مثلي العدو: لا عذر لجيش مسلم يفر أمام عدو كافر إذا كان العدو مثلي عددهم فما دون؛ فالواجب الشرعي المصابرة والصمود والثقة بمعية الله.