قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
يفتح الله تعالى أوسع أبواب الأمل والرحمة والمغفرة لجميع المذنبين والتائبين في أرجى آية في كتاب الله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ...}. روى البخاري في "صحيحه" (4810) ومسلم (122) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؛ فنزل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ}، ونزلت هذه الآية: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. وأكد الطبري في "جامع البيان" (20/ 216)جامع البيان٢٠/٢١٦ وابن كثير (7/ 108)مصدر غير محدد٧/١٠٨ بإجماع أئمة التفسير أن هذه الآية عامة لكل تائب؛ فمن تاب من الشرك والقتل والزنا وسائر الكبائر والصغائر تاب الله عليه وغفر له ذنبه كله، ولا يتعارض هذا مع قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}؛ لأن آية النساء فيمن مات غير تائب، فالشرك لا يغفر بمشيئة مجردة دون توبة، وما دونه تحت المشيئة؛ أما آية الزمر فهي في التائبين بإجماع، والتوبة تجبّ ما قبلها وتهدم الشرك والكبائر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا النداء الإلهي العظيم يأتي كالماء الزلال على القلوب الوجلة بعد سيول الإنذار والوعيد بالخزي وسوء العذاب في الآيات السابقة؛ فلكي لا تيأس النفوس وتظن أن باب المغفرة قد أُغلق أمام ذنوبها المتراكمة، فتح الله هذا الأفق الرحب الفسيح؛ ليعلم كل عاصٍ ومسرف أن ربه غفور رحيم ينتظر أوبته وإنابته.