ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
يضرب القرآن الكريم مثلاً عقلياً ونفسياً عبقرياً يقارن فيه بين عذاب الشرك النفسي وسكينة التوحيد: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ...}. روى الطبري في "جامع البيان" (20/ 180)جامع البيان٢٠/١٨٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: هذا مثل ضربه الله للمشرك والموحد؛ فالرجل الأول عبد مملوك يملكه جماعة من الشركاء سيئو الأخلاق، متنازعون، مختلفو الأهواء، متشاكسون في طبائعهم؛ هذا يأمره بأمر وذاك ينهاه عنه، وهذا يطلبه في حاجة وذاك في نقيضها، فهو في حيرة وشقاء وقلق دائم لا يدري كيف يرضيهم؛ وهذا مثل المشرك الذي يتوزع قلبه بين شتى الآلهة والأصنام والشهوات؛ أما الرجل الثاني فهو عبد سالم خالص لسيد واحد يعرف ما يرضيه وما يسخطه، فأمره مستقيم ونفسه هادئة مطمئنة؛ وهذا مثل المؤمن الموحد الذي لا يعبد إلا الله الواحد الأحد؛ {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا}؟ لا يستويان البتة! {الْحَمْدُ لِلَّهِ} على وضوح الحجة وظهور الحق وإفرادنا بعبادته، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} حقائق التوحيد لجهلهم وضلالهم. وأكد ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (7/ 99)تفسير القرآن العظيم٧/٩٩ أن هذا المثل من أبلغ الأمثال في تصوير سكينة التوحيد وتشتت الشرك.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا المثل يجسد تطبيقاً عملياً لما تقدم في الآية (27) {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ}؛ فجاء هذا المثل فوراً ليكون أنموذجاً حياً للأمثال القرآنية العظيمة؛ فيسقط كل فلسفات الشرك ويكشف قبح التعدد والتشرذم الوجداني، ويثبت جمال التوحيد واستقراره.