إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ
يقرر الله سبحانه الحقيقة الوجودية الكبرى التي يخضع لها سائر البشر دون استثناء، وهي حتمية الموت والفناء: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}. روى الطبري في "جامع البيان" (20/ 183)جامع البيان٢٠/١٨٣ عن ابن عباس وقتادة والسدي: هذا إخبار من الله تعالى لنبيه ﷺ ولأمته بأن الموت نازل به وبهم لا محالة؛ فكل نفس ذائقة الموت، ولا خلود لأحد في دار الدنيا؛ وقد كان المشركون يتربصون بالنبي ﷺ الموت والهلاك ويتمنون ذلك، فأخبرهم الله بأنه سيموت وأنهم أيضاً سيموتون حتماً، فما لأحد بقاء؛ كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}. وأكد ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (7/ 100)تفسير القرآن العظيم٧/١٠٠ أن هذه الآية نعت النبي ﷺ لنفسه وأخبرت بانقضاء أجله، وقد استدل بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم وفاة النبي ﷺ حين خطب في الصحابة قائلاً: "ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وتلا هذه الآية والآية التي في آل عمران.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتصل هذه الآية بما قبلها اتصال التذكير بنهاية دار الابتلاء؛ فبعد أن ضرب الأمثال للتوحيد والشرك، قرر أن هذه الحياة الدنيا ليست دار قرار لأحد، بل سينقضي أمدها بموت الجميع: الرسول ﷺ والمكذبين؛ ثم تليها الآية التالية ببيان محكمة الآخرة والحساب؛ فالكل صائر إلى الموت، ثم إلى البعث والحساب.
الدفع والبيان: فرّق علماء العربية والبلاغة تفريقاً دقيقاً:
"المَيِّت" بالتشديد (من مات يموت فهو مَيِّت): يطلق على الحي الذي كتب عليه الموت وسيصير إليه لا محالة؛ كما في قول الشاعر: وتسألني أأنت مَيِّت؟ فقلت لها: إن المَيِّت هو الحي المترقب.
"المَيْت" بالتخفيف: يطلق على من فارقته الروح وصار جثة هامدة، كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}؛ فجاء التعبير بالتشديد {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} ليخاطبهم وهم أحياء يمشون في الأسواق، مذكراً إياهم بأن صيرورتهم إلى الموت أمر واقع لا ريب فيه كأنه حاضر مشهود.