أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (21/116)مصدر غير محدد٢١/١١٦ وابن أبي حاتم والواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك وعطاء قالوا: «قَدِمَ أبو سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبو الأعور السلمي المدينة بعد غزوة أحد، فنزلوا على عبد الله بن أُبيّ بن سلول رأس المنافقين، وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان ليكلموه، فقاموا وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، اكفف عن ذكر آلهتنا واللات والعزى ومناة، وقل إن لها شفاعة، وندعك وربك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، وهمّ عمر بن الخطاب بقتلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني قد عاهدتهم، وأمرهم بالخروج من المدينة، وأنزل الله تعالى في ذلك: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}».
تفسير الأمر بالتقوى للنبي صلى الله عليه وسلم:
قال الطبري (21/117)مصدر غير محدد٢١/١١٧: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله ولزوم طاعته واجتناب معاصيه، ودم على ما أنت عليه من الهدى؛ فإنه أمر بالدوام والثبات والاستزادة، وليس أمراً بابتداء التقوى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أتقى الناس لربه».
ونقل ابن كثير (6/364)مصدر غير محدد٦/٣٦٤: «هذا نهي عن طاعتهم وأمر بالثبات على التقوى، والمراد: الاستمرار عليها والدوام، والازدياد منها؛ فإن العبد محتاج في كل طرفة عين إلى تقوى الله والاستعاذة به من كيد الأعداء ومكرهم، ونهيه عن طاعة الكافرين والمنافقين نهي لأمته من باب أولى».
وفي قوله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}: قال السعدي (ص 656)مصدر غير محدد٦٥٦: «عليم بما يصلح عباده وما تكنه صدور الأعداء من المكر والخديعة، حكيم في تدبيره وأوامره ونواهيه؛ فلا يأمر إلا بما فيه الخير المحض والعدل التام».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
النَّبِيّ: فَعِيل، إما من النَّبَأ وهو الخبر العظيم الهام؛ لأنه مخبِر عن الله ومخبَر بما يوحى إليه، أو من النَّبْوَة وهي الارتفاع والسمو؛ لعلو مقامه ورفعته عند الله وخلقه.
التَّقْوَى: مأخوذة من الوقاية، وهي اتخاذ حاجز واقٍ يقي العبد من سخط الله وعذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
المُنَافِق: المظهر للإسلام المبطن للكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو الجحر الخفي الذي يخفيه اليربوع في باطن الأرض ليفلت منه إذا هوجم من قاصعائه.
الإعراب والوجوه النحوية:
{يَا أَيُّهَا}: يا أداة نداء، أي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، والهاء حرف تنبيه مبني على السكون لا محل له.
{النَّبِيُّ}: نعت لأي أو عطف بيان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة تبعاً للفظ أي.
{اتَّقِ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والكسرة دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
{الْكَافِرِينَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
{وَالْمُنَافِقِينَ}: معطوف على الكافرين منصوب بالياء.
{إِنَّ اللَّهَ}: إن حرف توكيد ونصب، ولفظ الجلالة اسمها منصوب.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح، واسمها ضمير مستتر تقديره هو.
{عَلِيمًا}: خبر كان أول منصوب بالفتحة.
{حَكِيمًا}: خبر كان ثانٍ منصوب بالفتحة، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال القيادي للمنهج المدني:
افتتحت السورة بنداء النبي صلى الله عليه وسلم بوصف النبوة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}؛ لإعلاء مقامه والتنبيه على ثقل الأمانة الملقاة على عاتقه في قيادة الدولة الناشئة في المدينة المنورة.
وتقديم الأمر بالتقوى {اتَّقِ اللَّهَ} قبل النهي عن طاعة الأعداء {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}؛ لبيان أن التحصن بالتقوى الذاتية والاعتصام بالله هو الدرع الواقي الأول ضد ضغوط الخصوم ومناورات المنافقين ومساوماتهم السياسية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توجيه الأمر بالتقوى والنهي عن طاعة الكافرين للمعصوم صلى الله عليه وسلم: يثير المشككون شبهة: كيف يوجه الله الأمر بالتقوى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وينهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين، وهو المعصوم الذي لا يتصور منه الشرك ولا مداهنة الكفار؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
ترد القواعد اللغوية والشرعية على هذه الشبهة بوجوه حاسمة:
الأمر للمتلبس بالفعل في لغة العرب لا يقصد به إنشاء الفعل من الصفر، بل يقصد به: الدوام والثبات والاستزادة؛ كقولك للقائم: "اثبت قائماً"، وقولك للمهتدي: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.
الخطاب موجه إلى القائد والمراد به عموم أمته؛ فالقرآن ينزل بأسلوب: "إياكِ أعني واسمعي يا جارة"؛ فإذا كان النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم يؤمر بالتقوى ويُحذر من أدنى مهادنة في ثوابت الدين، فكيف بآحاد المسلمين وأمرائهم وعلمائهم؟!
كشف الضغوط السياسية الهائلة؛ فالكفار والمنافقون عرضوا عروضاً تبدو في ظاهرها تسوية سلمية لحقن الدماء؛ فجاء التوجيه الرباني ليحسم أي تردد، ويقرر أن التنازل عن قضايا التوحيد والشرع مداهنة محرمة لا تجوز في أي ظرف.
لم ينادِ الله نبيه في القرآن باسمه المجرد قط (يا محمد)، بل ناداه دائماً بالوصف التكريمي: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}؛ تعظيماً لمقامه وتأديباً للأمة في مخاطبته.
الجمع بين الكافرين والمنافقين بحرف العطف:
إشارة إلى أن كيد الكافر الخارجي لا ينفك عن مكر المنافق الداخلي؛ فالمنافقون هم الطابور الخامس في المجتمع المسلم واليد الخفية للكافرين.
التدبر الإشاري:
الثبات على المبدأ شيمة أهل الإيمان؛ فمهما تكالبت عليك ضغوط الواقع، وأغراك الخصوم بالمصالح العاجلة للمداهنة، فالتقوى هي سفينة النجاة، وعلم الله وحكمته كفيلان بكشف مكر الماكرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
حذر الدعاة والمصلحين من التنازل عن ثوابت العقيدة والمنهج إرضاءً لضغوط المجتمع أو إملاءات الخصوم؛ فالصلابة في الموقف هي سر النصر.
التوجيه التربوي:
تربية القادة والمربين على الدوام على مراقبة الله؛ فالكبير يحتاج إلى التذكير بالتقوى كما يحتاجه الصغير.
التوجيه العملي:
الحذر من التحالفات المشبوهة أو الانخداع بشعارات المنافقين وأطروحات الكفار المعارضة للشريعة؛ والاعتماد على هدى الوحي وحده.
الوجدان الإيماني:
هيبة الله في قلب العبد التي تصغر أمامها كل قوى الأرض؛ واليقين بحكمة الله وعلمه المحيط.