الأصل التشريعي في نفي العدة قبل المسيس: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 299)جامع البيانالطبري٢٠/٢٩٩ وابن كثير (ج 6، ص 422)مصدر غير محدد٦/٤٢٢ بإجماع أئمة التفسير والفقه، أن هذه الآية الكريمة أصل قطعي مجمع عليه بين علماء الأمة في أن المرأة إذا عُقد عليها عقد النكاح الصحيح ثم طُلقت قبل الدخول والمباشرة (المسيس)، فلا عدة عليها إطلاقاً؛ فلها أن تتزوج من ساعتها بمن شاءت دون انتظار ثلاثة قروء ولا أشهر؛ لأن علة العدة استبراء الرحم، والرحم متيقن براءته بعدم المسيس.
تفسير المتعة والسراح الجميل: يوضح القرطبي (ج 14، ص 198)مصدر غير محدد١٤/١٩٨ والشافعي في "الأم"، أن قوله تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}: إيجاب لمتعة الطلاق لمن لم يُسمّ لها مهر (وهي المفوضة)، لقوله تعالى في البقرة: {لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ}، وأما من سُمي لها مهر فلها نصف الصداق المسمى بنص آية البقرة: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}، والمتعة مستحبة لها عند الجمهور؛ والسراح الجميل هو الفراق بالمعروف دون خصومة ولا إساءة ولا مطل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{نَكَحْتُمُ}: النكاح في أصل كلام العرب حقيقة في العقد وحقيقة في الوطء، والمراد به هنا العقد بالإجماع؛ لأن المسيس المذكور بعده هو الوطء.
{تَعْتَدُّونَهَا}: العدة مأخوذة من العد والحساب؛ والاعتداد بالعدة هو إحصاء أيامها وأقراءها وأشهرها؛ أي ليس لكم سلطان بإلزامها بتربص ولا عدة تحصونها عليها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: نداء للمؤمنين.
{إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}: (إذا) ظرفية شرطية خافضة لشرطها متعلقة بالجواب، (نكحتم) فعل وفاعل، و(المؤمنات) مفعول به منصوب بالكسرة.
{ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}: (ثم) للتراخي، وفعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة الشرط.
{مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ}: جار ومجرور متعلق بـ (طلقتموهن)، و(أن) مصدرية، و(تمسوهن) مضارع منصوب بحذف النون، والمصدر المؤول (مسيسهن) في محل جر مضاف إليه.
{فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، (ما) نافية، (لكم) متعلق بمحذوف خبر مقدم، و(عليهن) متعلق بحال من عدة أو بالاستقرار في الخبر.
{تَعْتَدُّونَهَا}: جملة في محل رفع نعت لـ (عدة)، وفعل وفاعل ومفعول به.
{فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}: الفاء فصيحة تفريعية، أمران مبنيان على حذف النون والواو فاعل وهن مفعول به، و(سراحاً) مفعول مطلق و(جميلاً) نعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التمهيد التشريعي لأحكام أزواج النبي ونكاحه: جاءت هذه الآية الخاصة بعامة المؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ} كقاعدة عامة للأمة، تمهيداً لبيان الخصائص التشريعية النبوية في النكاح في الآية التالية مباشرة (50): {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ}؛ فبين القرآن أولاً حكم عامة الناس، ثم ثنى ببيان ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعاً للحرج وتوضيحاً للمراتب.
الاقتران الدائم بين الطلاق والإحسان: يعيد النظم التذكير بالمتعة والسراح الجميل للمرة الثانية في السورة (بعد آية التخيير 28)؛ لترسيخ خلق المروءة في المجتمع المسلم؛ فإذا انتفى النكاح قبل الدخول وجب تطييب خاطر المرأة بالمال والسراح النزيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تقييد الآية بـ (المؤمنات) وخروج الكتابيات: قد يظن ظان أن تخصيص النكاح بالمؤمنات في قوله {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} يفيد أن الكتابية المعقود عليها إذا طلقت قبل الدخول تلزمها العدة!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
خرج مخرج الغالب: يقرر أئمة الأصول والتفسير أن قيد "المؤمنات" هنا خرج مخرج الغالب الأعم في نكاح المسلمين؛ ومفهوم المخالفة إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة ولا يعمل به بالاتفاق.
تحقق العلة يوجب اطراد الحكم: العلة في نفي العدة قبل المسيس هي القطع المطلق ببراءة الرحم من الحمل؛ وهذه العلة متحققة بيقين في الكتابية كما هي متحققة في المؤمنة؛ والعلة تدور مع معلولها وجوداً وعدماً؛ فثبت بالإجماع القطعي أن الكتابية إذا طلقت قبل المسيس فلا عدة عليها كالمسلمة سواء بسواء.
كمال العدالة الإسلامية في حفظ حقوق المرأة غير المسلمة وتكريمها بالمتعة والسراح الجميل إن كانت زوجة بعقد صحيح.
الكناية الفائقة في (المسيس): عدول القرآن عن الألفاظ الصريحة للوقاع إلى لفظ "المسيس"؛ لتعليم الأمة عفة اللسان والتأدب في الخطاب الأسري.
التأكيد بـ (من) الزائدة: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ}؛ لاستغراق نفي أي صورة من صور العدة دقيقة كانت أو جليلة.
استعمال (ثم) الدالة على التراخي: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}؛ للإشارة إلى أن الطلاق لم يقع في فورة طيش لحظية، بل جاء بعد تأن وتأمل وتبين لتعذر الوفاق.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الإسلام دين الإنصاف؛ فكما رفع عن المرأة عبء التربص بالعدة إذا لم يدخل بها، أوجب لها متعة مالية تجبر كسر قلبها بالطلاق، وأمر بالسراح الجميل الذي يحفظ كرامتها بين قومها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
التوجيه الدعوي والتربوي:
نشر الفقه الأسري الإسلامي المنضبط؛ وتعليم الناس أن الطلاق قبل الدخول لا يبيح للرجل حبس المرأة ولا إلزامها بعدة باطلة تعطل حياتها.
إحياء سنة "المتعة" وجبر الخواطر عند الفراق؛ فالشريعة لم تجعل انتهاء العلاقة الزوجية سبباً للعداوة والفجور في الخصومة.
العمل والوجدان الإيماني:
محاسبة النفس عند ممارسة الحقوق الزوجية والمالية؛ والالتزام بأمر الله في المعاملة بالمعروف والسراح الجميل.
شكر الله على يسر أحكام الشريعة ورفع الآصار والأغلال عن هذه الأمة المرحومة.