حقيقة أذية الله ورسوله وسياق الآية: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 326)جامع البيانالطبري٢٠/٣٢٦ وابن كثير (ج 6، ص 444)مصدر غير محدد٦/٤٤٤ عن ابن عباس وعكرمة، أن هذه الآية نزلت في الكفار والمنافقين واليهود الذين طعنوا في النبي صلى الله عليه وسلم واستهزؤوا به في زواجه من زينب، ورموا أهله بالإفك، وشوهوا دعوته؛ فأخبر الله أن أذية رسوله أذية لله تعالى تقتضي اللعنة والطرد من الرحمة في الدنيا والآخرة.
تفسير أذية الله تعالى في السنة النبوية: يروي الإمام البخاري في "صحيحه" (رقم 4826 و7491) ومسلم (رقم 2246)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٤٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، ورويا أيضاً عن أبي هريرة: «قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا!».
تفسير اللعن والعذاب المهين: يوضح القرطبي (ج 14، ص 236)مصدر غير محدد١٤/٢٣٦ أن "اللعن" هو الطرد والإبعاد الساحق من كل رحمة وخير، وقرن لعنة الدنيا (بالذلة والصغار والقتل والجزية) بلعنة الآخرة (بنار جهنم وبئس المصير)، ووصف العذاب بـ {مُّهِينًا} لأنهم استكبروا وأرادوا إهانة رسول الله وتشويهه، فعوقبوا بنقيض قصدهم بالإهانة والتحقير الأبدي في دركات الجحيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يُؤْذُونَ}: الأذى هو المكروه الخفيف الذي يلحق النفس بالقول أو الفعل؛ وأذية الله ورسوله بارتكاب ما يكرهه سبحانه من الكفر والطعن في أوليائه والافتراء على شريعته.
{لَعَنَهُمُ}: اللعن الطرد والإبعاد من الرحمة والكرامة.
{مُّهِينًا}: اسم فاعل من أهان يهين؛ والعذاب المهين هو الذي يقترن بالإذلال والتحقير والخزي وفضح الفاعل.
{اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: اسم الجلالة مفعول به منصوب، ورسوله معطوف منصوب.
{لَعَنَهُمُ اللَّهُ}: جملة في محل رفع خبر إن؛ لعن فعل ماض ومفعوله، واسم الجلالة فاعل مؤخر.
{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}: جاران ومجروران متعلقان بـ (لعن).
{وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}: عطف، أعد فعل وفاعل مستتر ولهم متعلق به، و(عذاباً) مفعول به، و(مهيناً) نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الصارمة بين التكريم والوعيد: ما أعظم هذا التناسق الإلهي؛ ففي الآية السابقة (56) بلغ تكريم النبي ذروته بإعلان صلاة الله وملائكته والمؤمنين عليه، فجاءت هذه الآية (57) مباشرة لتقطع دابر من تسول له نفسه النيل من هذا المقام الشريف؛ فمن عادى هذا النبي المكرم فقد عادى الله وجلب على نفسه اللعنة في الدارين.
عطف الرسول على اسم الجلالة في الأذية: قرن الله أذية نبيه بأذيته سبحانه؛ إشعاراً بأن الطعن في الرسول طعن في المرسل، وأن حرمة النبي من حرمة الله تعالى، فلا تنفك إحداهما عن الأخرى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تنزيه الله عن التأثر بالأذى والضرر: يقول بعض الملاحدة: كيف ينسب القرآن "الأذية" إلى الله في قوله {يُؤْذُونَ اللَّهَ}، والمعلوم عقلاً وشرعاً أن الله منزه عن النقص والضرر ولا تناله أذية المخلوقين كما في الحديث القدسي: «إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي»؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
التفرقة بين الأذى والضرر في لغة القرآن: الأذى في لغة العرب والقرآن هو سماع المكروه وقول السوء الذي لا يترتب عليه ضرر ذاتي؛ كما قال تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى}، وقال: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا}؛ فالكافر يسب الله وينسب له الولد فيؤذي بإساءته، ولكن الله يتعالى عن أن يمسه ضرر أو عجز.
التعبير بالأذية من باب إطلاق السبب على المسبب: أذية الله مجاز مرسل أو كناية عن ارتكاب ما يسخطه ويغضبه من المعاصي والطعن في دينه وتكذيب رسله، وعومل الفاعل معاملة المؤذي بجلب اللعنة والغضب.
أذية الرسول أذية لله: عطف الرسول على اسم الجلالة يفيد أن من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطعن والاستهزاء فقد آذى الله بمحاربة أمره وتكذيب وحيه؛ لأن النبي يمثل الرسالة الإلهية في الأرض.
استعمال صيغة المضارع في (يؤذون): للإشارة إلى تكرار أذيتهم وتربصهم الدائم بالطعن والشبهات في كل زمان ومكان.
الجمع بين لعنة الدنيا والآخرة: {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}؛ لاستغراق الخزي في الحياتين؛ فلا يظفر مؤذي رسول الله بطمأنينة في عاجلته ولا بنجاة في آجلته.
المشاكلة البلاغية في وصف العذاب بالمهين: جزاءً وفاقاً على محاولتهم إهانة الدين والنبي؛ فأهينوا في أسفل دركات النار.
اللطائف التدبرية والإشارية:
كل من تطاول على مقام النبي صلى الله عليه وسلم عبر التاريخ (من قريش وكسرى إلى معاصرينا من المستهزئين) لم تكن عاقبته إلا الذلة والمهانة والهلاك وبقاء اللعنة على ذكره إلى يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
وجوب الذود عن جناب النبي صلى الله عليه وسلم والرد العلمي الحازم على الحملات المشبوهة والإساءات الموجهة إلى مقامه الشريف أو سنته المطهرة.
التحذير الشديد من سب الدين أو سب النبي أو الاستهزاء بالسنن والفرائض؛ وبيان أن ذلك ردة صريحة توجب اللعنة والخلود في النار إن لم يتب فاعلها.
العمل والوجدان الإيماني:
الغيرة الإيمانية الصادقة على حرمات الله ورسوله، وتعظيم شعائر الدين في النفوس.
الحذر من سب الدهر أو التسخط على أقدار الله؛ والتأدب التام مع الخالق سبحانه.