الشق الثاني من الميثاق والتخيير: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 249)جامع البيانالطبري٢٠/٢٤٩ عن قتادة وعكرمة، أن الله تعالى لما عرض التخيير لنسائه، جعل المقابل لاختيار الدنيا هو اختيار: {اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ}؛ أي اختيار طاعة الله، ورضا رسوله والمقام معه على عسره ويسره، ونيل ثواب الدار الآخرة الدائم؛ فرتب الله على ذلك أعظم البشارات: {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}.
إجماع أمهات المؤمنين على هذا الخيار الأسمى: يذكر ابن كثير (ج 6، ص 401)مصدر غير محدد٦/٤٠١ والقرطبي (ج 14، ص 167)مصدر غير محدد١٤/١٦٧ أن جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التسع اللاتي كن تحته حينئذ (عائشة، حفصة، سودة، زينب بنت جحش، أم سلمة، جويرية، أم حبيبة، صفية، ميمونة رضي الله عنهن) قلن بصوت واحد ويقين صادق: "بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة"، فرضي الله عنهن وأرضاهن وأقر عين نبيه بثباتهن وعفتهن.
تفسير الإحسان والأجر العظيم: يوضح السعدي (ص 662)مصدر غير محدد٦٦٢ أن قوله {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ} إشارة إلى أن مجرد البقاء في بيت النبوة دون إحسان العمل لا يوجب هذا الأجر؛ بل المشترط هو الإحسان في عبادة الله وطاعة رسوله وحسن العشرة، فكان هذا الأجر العظيم هو الجنة بصحبة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{الْمُحْسِنَاتِ}: جمع محسنة، والإحسان هنا يجمع الإحسان في عبادة الخالق بالإخلاص، والإحسان في معاملة الرسول بحسن التبعل، ومراقبة الله في السر والعلن.
{أَعَدَّ}: الإعداد هو التهيئة والتدخير للشيء النفيس؛ وأعد الله الجنة أي هيأها بكرامتها ونعيمها.
{أَجْرًا عَظِيمًا}: الأجر هو العوض والجزاء على العمل الصالح؛ وتنكيره ووصفه بالعظيم للدلالة على أنه لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ}: الواو عاطفة، جملة شرطية مثل سابقتها، (تردن) خبر كان، واسم الجلالة (الله) مفعول به.
{وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ}: معطوفان على اسم الجلالة منصوبان.
{فَإِنَّ اللَّهَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، (إن) حرف توكيد ونصب، واسم الجلالة اسمها منصوب.
{أَعَدَّ}: فعل ماض، والفاعل مستتر يعود على الله، والجملة في محل رفع خبر إن.
{لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ}: متعلق بـ (أعد)، و(منكن) جار ومجرور في محل نصب حال من المحسنات أو للتبعيض/البيان.
{أَجْرًا عَظِيمًا}: مفعول به لـ (أعد) منصوب، و(عظيماً) نعت منصوب، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المعادلة المتقابلة بين العاجل والآجل: تكتمل الثنائية المعرفية والتربوية؛ فالآية السابقة عرضت خيار العاجلة {الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} ورتبت عليه الفراق والإمتاع المادي العاجل، وجاءت هذه الآية لتعرض خيار الآجلة {اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ} ورتبت عليه الخلود في نعيم الفردوس؛ مما يجعل الاختيار مبنياً على وضوح تام للمصيرين.
عطف الدار الآخرة على الله ورسوله: جمع النظم بين الغاية العظمى (مرضاة الله ومحبة رسوله) وبين الجزاء الأبدي (الدار الآخرة)؛ لترسيخ أن حب النبي صلى الله عليه وسلم والالتصاق بدعوته هو الطريق الأوحد لبلوغ جنات النعيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة التبعيض في قوله {مِنكُنَّ}: قد يثير بعض المرجفين تساؤلاً حول حرف الجر (من) في {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ}، زاعمين أنه يفيد أن بعض أزواج النبي لم يكن محسنات وخرجن عن الوصف.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
(مِن) لبيان الجنس والصفة لا للتبعيض: يقرر أئمة اللغة والتفسير (كالطبري والقرطبي والزمخشري) أن (مِن) هنا لبيان الجنس، ونظيره قوله تعالى في سورة الفتح: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، فالصحابة كلهم من أهل الإيمان والعمل الصالح، فالمعنى: أعد الله للمحسنات الكائنات من هذا الجنس الطاهر الذي هو أنتن.
تعليق الجزاء بالوصف المشروط: حتى لو حملت على التبعيض الفرضي، فإنها تفيد تقرير القاعدة القرآنية المحكمة: إن القرابة من الأنبياء والصحبة لا تنفع بذاتها ما لم تقترن بالإحسان والعمل الصالح؛ وفي هذا حث لهن على مداومة الاستقامة، وقد ثبت يقيناً أنهن جميعاً رضي الله عنهن كُنّ من المحسنات الصابرات باختيارهن الله ورسوله.
عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يدوم نكاحه لمن ليست من أهل الإحسان؛ فبقاؤهن في عصمته حتى قبض دال قطعاً على صدق إحسانهن وكمال فضلهن.
الترتيب التصاعدي في متعلقات الإرادة: {اللَّهَ} أولاً لكونه المعبود والمقصد الأسمى، ثم {وَرَسُولَهُ} لكونه الوسيلة الهادية والزوج المكرم، ثم {وَالدَّارَ الْآخِرَةَ} لكونها مستقر النعيم الدائم؛ وهو ترتيب في غاية الإحكام الإيماني.
تنكير (أجراً عظيماً): للتعظيم المطلق والتفخيم؛ لإشعار النفوس بأن متاع الدنيا كله حقير تافه بإزاء ما ادخره الله للمحسنات.
التعبير بالفعل (أعد): الدال على الجزم والتحقق؛ فالأجر كأنه مخلوق مهيأ ينتظر قدومهن تشريفاً لهن.
اللطائف التدبرية والإشارية:
كل من اختار الله ورسوله على حظوظ نفسه ومطامع دنياه عوضه الله أجراً عظيماً وانشراحاً في الصدر ونعيماً مقيماً؛ والجزاء من جنس العمل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ معيار التفاضل في الإسلام؛ فالمكانة ليست بالمظاهر والممتلكات، بل بصدق الإقبال على الله ورسوله وإحسان القول والعمل.
تعليم الأجيال تقديم الباقية على الفانية؛ فالدنيا مهما تزينت فهي زائلة، والدار الآخرة هي دار القرار.
العمل والوجدان الإيماني:
اليقين بأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ فقد صبرت أمهات المؤمنين على الجوع وخشونة العيش، فرفع الله ذكرهن في العالمين وجعلهن أزواج النبي في جنات النعيم.
الدعاء الدائم بأن يجعلنا الله من المحسنين الذين رضي الله عنهم وأرضاهم.