أمر المؤمنين بالذكر الكثير وبيان خصوصيته: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 285)جامع البيانالطبري٢٠/٢٨٥ وابن كثير (ج 6، ص 417)مصدر غير محدد٦/٤١٧ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية قال: "إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر؛ فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، فقال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ}، وقال: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}؛ بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال".
بيان حد الذكر الكثير في السنة: يذكر القرطبي (ج 14، ص 188)مصدر غير محدد١٤/١٨٨ والنووي في "الأذكار" عن مجاهد قال: "لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً"، وروى أبو داود (رقم 1451)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٥١ والترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{اذْكُرُوا}: الذكر يجمع ذكر اللسان (بالتسبيح والتحميد والتهليل والتلاوة)، وذكر القلب (باستحضار عظمة الله وخشيته ومراقبته)، وذكر الجوارح (بالطاعة والامتثال).
{كَثِيرًا}: الكثرة ضد القلة؛ وهي هنا نعت لمصدر الذكر تفيد الاستغراق والاتصال في سائر الأوقات والأحوال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الزاد الروحي بعد تقرير أصول التشريع والعقيدة: بعد أن قررت الآيات السابقة كبرى قضايا التشريع والنبوة والخاتمية، توجه النظم إلى بناء القلب المؤمن؛ فالاستجابة لأوامر الله والتسليم لقضائه لا يقوى عليها إلا قلب عامر بذكر الله كثيراً؛ فالذكر هو الزاد الذي يثبت الأقدام ويعين على حمل التكاليف.
التناسب مع صفة المؤمنين في الآية (35): في الآية (35) مدح الله {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}، وهنا جاء الأمر الإلزامي التوجيهي لكل مؤمن ومؤمنة بتحقيق هذا الوصف: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} لينالوا المغفرة والأجر العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الانشغال بالذكر عن عمارة الأرض والعمل الدنيوي: يزعم الماديون والعلمانيون أن الدعوة إلى الذكر الكثير تورث التواكل والبطالة والرهبانية، وتعطل الطاقات الإنتاجية للأمة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
فهم الشريعة لطبيعة الذكر: الذكر في الإسلام ليس انقطاعاً في زاوية مظلمة، بل هو استحضار لمراقبة الله أثناء حركة الحياة والعمل؛ فالزارع يذكر الله في حقله، والتاجر يذكر الله في متجره بالصدق وعدم الغش، والجندي يذكر الله في ثغره، والطبيب في مشفاه؛ فالذكر صمام أمان أخلاقي لكل نشاط إنساني.
الذكر باللسان لا يعطل حركة الجوارح: فالإنسان يستطيع أن يسبح ويستغفر ويهلل وهو يقود سيارته، أو يمشي في طريقه، أو يمارس مهنته؛ فلا تعارض أصلاً بين حركة اللسان بذكر الله وبين إتقان العمل المادي.
الذكر طاقة محفزة للبناء: أثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية أن الاتصال الروحي بالخالق يمنح النفس طمأنينة واستقراراً ذهنياً يضاعف من كفاءة الإنتاج والإبداع، ويحمي المجتمع من الانهيار النفسي والجريمة.
التوكيد بالمفعول المطلق والوصف: {ذِكْرًا كَثِيرًا}؛ لإبراز أن المطلوب ليس مجرد الذكر العارض، بل الاستغراق المستمر الذي يملأ فراغات الحياة بنور الله.
تصدير الخطاب بنداء الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}؛ لاستنهاض الهمم وتذكيرهم بأن مقتضى الإيمان يستلزم محبة المذكور سبحانه، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الذكر منشور الولاية الإلهية؛ فمن فتح الله له باب الذكر الكثير فقد فتح له باب القرب والأنس، ومن علامات النفاق قلة الذكر: {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعليم الأبناء أذكار اليوم والليلة (أذكار الصباح والمساء، والنوم، والطعام، والركوب) لتصبح جزءاً من سلوكهم اليومي التلقائي.
العمل والوجدان الإيماني:
تعويد اللسان على أن يظل رطباً بذكر الله؛ مصداقاً لوصية النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» (رواه الترمذي وصححه).
محاسبة النفس عند الغفلة، واستدراك ما فات بالاستغفار والتهليل.