سياق السؤال عن الساعة وهوية السائلين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 338)جامع البيانالطبري٢٠/٣٣٨ وابن كثير (ج 6، ص 449)مصدر غير محدد٦/٤٤٩ عن قتادة ومجاهد، أن المشركين واليهود والمنافقين كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن وقت قيام الساعة تعنتاً وتكذيباً واستهزاءً؛ فيقولون: "متى هذه الساعة التي تتوعدنا بها إن كنت صادقاً؟"، فأمره الله تعالى أن يقطع تعنتهم بالحقيقة الإيمانية الناصعة: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ}؛ أي إن وقتها وحسابها سر استأثر الله بعلمه في غيبه، لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً.
تفسير قرب الساعة: يوضح القرطبي (ج 14، ص 251)مصدر غير محدد١٤/٢٥١ والسعدي (ص 672)مصدر غير محدد٦٧٢ أن قوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} تنبيه وهز للضمائر؛ أي وما يعلمك يا محمد، لعل قيام الساعة وشيك الوقوع، قريب الأوان، وكل ما هو آت قريب، فالمعول عليه ليس معرفة تاريخ وقوعها، بل الاستعداد لها بالعمل الصالح والتوبة قبل أن تفاجئهم بغتة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{السَّاعَةِ}: علم بالغلبة في لغة القرآن على يوم القيامة والبعث والحساب الأكبر؛ وسميت ساعة لسرعة مجيئها، أو لأنها تقوم في لحظة خاطفة كلمح البصر.
{يُدْرِيكَ}: الدراية هي العلم بدقائق الأمور ومآلاتها بعد بحث وفحص.
{قَرِيبًا}: القرب ضد البعد في الزمان والمكان؛ وجاء مذكراً مع أن الساعة مؤنثة مراعاة للمعنى (أي أمراً قريباً أو وقتاً قريباً)، أو لأن (فعيلاً) يستوي فيه المذكر والمؤنث.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَسْأَلُكَ النَّاسُ}: فعل مضارع ومفعوله، و(الناس) فاعل مرفوع بالضمة.
{وَمَا يُدْرِيكَ}: الواو استئنافية، (ما) اسم استفهام مبتدأ في محل رفع، وجملة يدريك خبره والكاف مفعول أول.
{لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا}: (لعل) حرف ترج وتوقع ونصب، و(الساعة) اسمها منصوب، وجملة تكون خبر لعل وهي معلقة لـ (يدريك) سدت مسد المفعول الثاني، و(قريباً) خبر تكون منصوب واسمها مستتر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقلة التذكيرية من المحاكمة الدنيوية إلى الحساب الأخروي الأكبر: بعد أن توعد المنافقين والمرجفين في الآيات السابقة بالقتل والإجلاء وعاقبة سنن الهلاك في الدنيا، انتقل النظم إلى استحضار الموعد النهائي الفاصل الذي يجمع الأولين والآخرين (يوم القيامة)؛ ليحذر هؤلاء المرجفين من أن الموت والبعث أقرب إليهم من حبل الوريد، وأن تعنتهم في السؤال عن وقت الساعة لن ينجيهم من هولها إذا دهمتهم.
أسلوب الحصر والقصر في الغيب: استخدام {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ} لرد علم الغيب المطلق إلى صاحبه وحده؛ وتأصيل حدود المعرفة البشرية حتى لأشرف الرسل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجهل بالساعة هل يقدح في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم: زعم المشركون والمشككون أن جهل النبي بموعد الساعة طعن في نبوته ورسالته؛ قائلين: كيف تدعي أنك رسول الله وأنت لا تدري متى الساعة؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
كمال النبوة في الالتزام بحدود الوحي والعبودية: النبوة ليست ادعاءً للألوهية ولا مشاركة لله في خصائص ربوبيته وغيبه المطلق؛ بل كمال الصدق والرسالة هو الإقرار التام بالعبودية لله: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}؛ فعدم علمه بوقت الساعة برهان على صدقه وأنه لا يفتري الوحي من تلقاء نفسه.
جواب جبريل عليه السلام المشهور: في حديث جبريل المتفق عليه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "فأخبرني عن الساعة؟" قال: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»، فاستوى أفضل الرسل من الملائكة وأفضل الرسل من البشر في عدم العلم بوقتها؛ مما يثبت استئثار الله وحده بهذا السر الكوني.
حكمة إخفاء وقت الساعة: إخفاء موعد القيامة وموعد الموت لحكمة تربوية عظيمة؛ ليبقى الإنسان في كل لحظة على وجل واستعداد وتوبة؛ فلو علم الناس تاريخ القيامة لغرقوا في الشهوات والظلم وقالوا: نتوب قبل الموعد بيوم!