سبب النزول وقصة تبرئة موسى عليه السلام في الصحيحين: يروي الشيخان البخاري (رقم 3404 و4799) ومسلم (رقم 339)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٩ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيّاً سِتِّيراً، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا الاسْتِتَارَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ، وَإِمَّا أُدْرَةٌ (انتفاخ الخصية)، وَإِمَّا آفَةٌ؛ وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلَا يَوْماً وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرٍ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ! ثَوْبِي حَجَرُ! حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَاناً أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْباً بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَباً مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثاً أَوْ أَرْبَعاً أَوْ خَمْساً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا}».
سياق نهي الصحابة عن أذية النبي صلى الله عليه وسلم: يروي البخاري (رقم 3150 و4336) ومسلم (رقم 1062)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٦٢ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً، فقال رجل: "والله إن هذه لقسمة ما عُدل فيها، وما أُريد بها وجه الله!"، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ!».
تفسير الوجيه عند الله: يوضح القرطبي (ج 14، ص 257)مصدر غير محدد١٤/٢٥٧ والسعدي (ص 674)مصدر غير محدد٦٧٤ أن "الوجيه" هو ذو الجاه والمنزلة الرفيعة والقدر والمكانة والكرامة عند الله؛ المستجاب الدعوة، الذي إذا سأل أُعطي وإذا شفع شُفع؛ وموسى عليه السلام كان وجيهاً مقرباً كليم الله، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم سيد الوجهاء وأشرفهم قدراً وجاهاً عند ربه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{آذَوْا}: الأذى هو إيصال المكروه بالقول الفاسد والطعن الكاذب والبهتان.
{فَبَرَّأَهُ}: التبرئة هي التخليص وإظهار النزاهة والبراءة مما رُمي به من العيوب والباطل.
{وَجِيهًا}: فَعيل من الجاه والوجاهة؛ وهو الشريف المقبول المعظم ذو المنزلة الرفيعة.
{مِمَّا قَالُوا}: جار ومجرور متعلق بـ (برأه)، و(ما) مصدرية أو موصولة.
{وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا}: الواو حالية أو تذييلية، كان واسمها مستتر، وعند الله متعلق بوجيهاً، و(وجيهاً) خبر كان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط بين خاتم الرسل وكليم الله في احتمال الأذى والتبرئة: النظم يرجع بنا إلى الآية (57) والآية (58) في تحريم أذية الله ورسوله؛ فجاءت هذه الآية لتضرب للأمة المثل بأعظم أنبياء بني إسرائيل (موسى كليم الله)؛ فبنو إسرائيل طعنوا في نبيهم في جسده وعرضه وصبر فبرأه الله؛ فيحذر القرآن المؤمنين من الوقوع في أي شبهة من أذية نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم في زواجه من زينب، أو قسمة الغنائم، أو التشكيك في أحكامه.
التتويج بصفة الوجاهة: ختم النظم بوصف {وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} لتقرير قاعدة هامة: أن طعن المبطلين والمنافقين لا ينقص من وجاهة الأنبياء ومكانتهم عند الله مثقال ذرة، بل يزيدهم رفعة وكرامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حديث فرار الحجر بثياب موسى عليه السلام وكونه معجزة حسية: يطعن العقلانيون والمستشرقون في صحة حديث فرار الحجر بثياب موسى، زاعمين أنه يخالف العقل ولا يليق بمقام النبوة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
ثبوت الحديث في أعلى درجات الصحة: الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم بإسناد كالشمس عن أبي هريرة رضي الله عنه وتلقته الأمة بالقبول؛ ورده بمجرد الاستبعاد العقلي تحكم باطل يفتح باب رد معجزات الأنبياء جميعاً.
خرق العادة آية ومعجزة إلهية لتبرئة النبي: جريان الحجر وإدراكه أمر خارق للعادة بإقدار الله تعالى وخلقه للحياة والحركة في الجماد؛ كالذي فلق البحر لموسى، وأنبع من الحجر اثنتي عشرة عيناً، وسبح الحصى في كف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالقادر على تفجير الماء من الحجر قادر على تحريكه بثوبه لحكمة تبرئة رسوله.
براءة العرض أوجب من ستر الجسد لحظة المعجزة: رؤية بني إسرائيل لموسى عرياناً للحظة عابرة كشفت سلامتهم من العيوب وسحقت شائعة البرص والآفة نهائياً؛ فكانت مصلحة تبرئة النبوة من العيوب المنفرة أعظم وأسمى، فبرأه الله بأوضح برهان حسي لا يقبل التشكيك.
التشبيه المنهي عنه بأسلوب التمثيل: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ}؛ تنفير بليغ للمؤمنين من مشابهة بني إسرائيل في قسوة قلوبهم وجرأتهم على نبيهم.
الإبهام في قوله (مما قالوا): إعراض وتنزيه للسان القرآني عن إعادة ذكر الشائعات القبيحة والألفاظ الساقطة التي رُمي بها موسى عليه السلام.
تقديم الظرف (عند الله): {وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا}؛ لبيان أن العبرة بالوجاهة الحقيقية عند الله لا بموازين العوام وأراجيف المستهزئين.
اللطائف التدبرية والإشارية:
ما من نبي ولا مصلح إلا ويناله نصيب من أذى الناس في عرضه ونيته؛ فإذا صبر محتسباً تكفل الله بتبرئته ورفع شأنه في الدنيا والآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
وجوب التأدب التام والتوقير المطلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسنته وشريعته، والحذر من الاعتراض على أحكامه أو التشكيك في قسمته وعدالته.
تعزية الدعاة والمصلحين بما لاقى الأنبياء الكرام؛ فالتأسي بصبر أولي العزم من الرسل يعين على مواجهة حملات التشويه والبهتان.
العمل والوجدان الإيماني:
الصبر على أذى الناس واحتساب الأجر عند الله؛ مستحضرين قول النبي: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».
التماس "الوجاهة عند الله" بالإخلاص والتقوى، والزهد في وجاهات الدنيا الزائلة.