غزوة بني قريظة وسياق النزول: يروي الشيخان البخاري (رقم 4117)مصدر غير محددحديث رقم ٤١١٧ ومسلم (رقم 1769)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٦٩ عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام وعمامة رأسه من غبار، فقال: "أوضعت السلاح؟ والله ما وضعناه! اخرج إليهم"، قال: "فإلى أين؟"، فأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونادى في الناس: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة حتى ألقى الله الرعب في قلوبهم فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بحكم الله من فوق سبع سماوات: أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم وتغنم أموالهم.
تفسير المظاهرة والصياصي: يوضح الطبري (ج 20، ص 241)مصدر غير محدد٢٠/٢٤١ وابن كثير (ج 6، ص 398)مصدر غير محدد٦/٣٩٨ أن {ظَاهَرُوهُم} أي عاونوهم وناصروهم على المسلمين بنقض العهد وممالأة الأحزاب على استباحة المدينة؛ والصياصي هي الحصون والقلاع والآطام المنيعة التي كانوا يعتصمون بها؛ وأنزلهم الله منها صاغرين أذلاء.
تفصيل القتل والأسر: يذكر القرطبي (ج 14، ص 161)مصدر غير محدد١٤/١٦١ أن قوله {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ}: هم المقاتلة الذين حاربوا ونقضوا الميثاق وكانوا زهاء ستمائة إلى تسعمائة مقاتل؛ وقوله {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}: هم النساء والذراري الذين جرى سبيهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{ظَاهَرُوهُم}: من المظاهرة، وهي المعاونة والمناصرة وجعل الظهر عوناً لظهر الحليف.
{صَيَاصِيهِمْ}: جمع صيصة، وهي كل ما يمتنع به ويتحصن به من قلاع وحصون، وتطلق في اللغة أيضاً على شوكة الحائك وقرن الثور لامتناعه به.
{قَذَفَ}: القذف هو الرمي والرمي العنيف السريع عن بعد بقوة وإصابة مباشرة.
{الرُّعْبَ}: الخوف الشديد والهلع الذي يملأ القلب فيشل الإرادة والحركة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم}: الواو عاطفة على (رد الله)، (أنزل) فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله، والاسم الموصول مفعول به، وجملة ظاهر وهم صلة الموصول، والواو فاعل والهاء مفعول به.
{مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}: جار ومجرور في محل نصب حال من الضمير في ظاهر وهم أو من الموصول (وهم يهود بني قريظة).
{فَرِيقًا تَقْتُلُونَ}: (فريقاً) مفعول به مقدم لـ (تقتلون) منصوب، و(تقتلون) مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة مستأنفة أو حالية مبينة ومفصلة.
{وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}: عطف، وفعل وفاعل ومفعول به مؤخر، وقدم المفعول في الموضعين للتفصيل ورعاية الفواصل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصفية الجبهة الداخلية بعد اندحار الغزو الخارجي: ارتبطت الآية بما قبلها ارتباط النتيجة بالسبب؛ فلما تم كسر الأحزاب واندحارهم في الآية (25)، توجه القضاء العادل فوراً إلى الخونة الغادرين في الداخل (بني قريظة) الذين طعنوا المسلمين في ظهورهم وكادوا يستأصلون أطفالهم ونساءهم؛ فاكتمل بذلك النصر بتطهير محيط المدينة المنورة من بؤر التآمر.
إبراز سلاح الرعب الإلهي: قابل النظم بين مناعة الحصون المادية {صَيَاصِيهِمْ} وضعف القلوب الباطنة {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}؛ ليقرر قاعدة استراتيجية هامة: أن الحصون والقلاع الشامخة لا تغني فتيلاً إذا انهارت معنويات المقاتلين وسكن الرعب أفئدتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القسوة في حكم مقاتلة بني قريظة: يثير المستشرقون وحملة التشكيك شبهة القسوة في إعدام مقاتلي بني قريظة وسبيهم، ويدعون أن ذلك يخالف التسامح.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
خيانة عظمى زمن الحرب: بنو قريظة ارتكبوا جريمة "الخيانة العظمى" في أشد لحظات الخطر الوطني والوجودي للمدينة؛ حيث ألغوا معاهدة الدفاع المشترك من طرف واحد وفتحوا ثغرات الدفاع للأحزاب لإبادة المسلمين بالكامل، وعقوبة الخيانة العظمى في جميع القوانين العسكرية القديمة والمعاصرة هي الإعدام دون تردد.
النزول على حكم حليفهم بحسب شريعتهم: بنو قريظة هم الذين رفضوا النزول على حكم النبي صلى الله عليه وسلم واختاروا واشترطوا النزول على حكم حليفهم القديم سعد بن معاذ سيد الأوس، فحكم فيهم سعد بحكم التوراة (سفر التثنية، الإصحاح 20، الفقرات 10-14) التي يعتقدون بها، والتي تنص على قتل مقاتلة المدينة المحاصرة وسبي نسائها وغنم أموالها؛ فكان الحكم مقتضى شريعتهم واختيارهم.
حماية مستقبل الأمة: بعد غدر بني قينقاع وبني النضير ثم قريظة، بات جلياً أن بقاء هذه البؤرة الغادرة يهدد استقرار الدولة الناشئة، فكان لابد من استئصال شوكة الغدر لترسيخ الأمن ومنع تكرار المأساة.