تفصيل ما أحل الله لنبيه من أصناف النساء: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 302)جامع البيانالطبري٢٠/٣٠٢ وابن كثير (ج 6، ص 423)مصدر غير محدد٦/٤٢٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن الله تعالى عدد لنبيه صلى الله عليه وسلم الأصناف التي أباح له نكاحها:
أزواجه اللاتي دفع لهن مهورهن (أجورهن).
ما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه في الغنائم (كصفية بنت حيي وجويرية بنت الحارث ومارية القبطية رضي الله عنهن).
قراباته من بنات العم والعمة وبنات الخال والخالة، وقيد ذلك باللاتي هاجرن معه إلى المدينة، ولم يحل له من لم تهاجر من قريباته (كأم هانئ بنت أبي طالب قبل إسلامها وهجرتها).
المرأة المؤمنة التي تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم بلا مهر ولا ولي إن رغب في نكاحها، وهي خصوصية نبوية حصرية له: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}.
واقعة هبة النفس: يروي البخاري (رقم 5029)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠٢٩ ومسلم (رقم 1425)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٢٥ عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي"، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من الصحابة فقال: "يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها..."، فزوجها إياه بما معه من القرآن. ونقل ابن عباس: "لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها ونكحها بالهبة، بل كان الأمر مباحاً له رخصة ولم يباشره".
بيان {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ}: يقرر القرطبي (ج 14، ص 206)مصدر غير محدد١٤/٢٠٦ أن المعنى: قد علمنا ما شرعنا وحددنا لسائر أمتك من حصر الزوجات في أربع حرائر كحد أقصى، واشتراط الولي والمهر والشهود، وعدم حلية نكاح الهبة لهم؛ وما وسعنا عليك في ذلك إلا {لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ}؛ لأن شؤون النبوة ورعاية مصالح الأمة تقتضي هذه التوسعة الربانية الخاصة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{أُجُورَهُنَّ}: الأجور هنا المهور والصدقات؛ وسمي المهر أجراً لأنه عوض مباح عن استباحة البضع وحسن العشرة.
{أَفَاءَ}: الفيء هو الغنيمة المأخوذة من الكفار برجوع الحق إلى أهله؛ وأفاء الله عليه أي أعطاه ورزقه من أموال المحاربين.
{خَالِصَةً}: الخالصة الشيء الصافي المميز الذي لا يشارك فيه أحد؛ وهو هنا حكم خاص مقصور عليه صلى الله عليه وسلم.
{وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}: معطوف على أزواجك، ومما أفاء متعلق بحال.
{وَبَنَاتِ عَمِّكَ}: معطوفات منصوبات بالكسرة لأنهن جمع مؤنث أو مضافات، واللاتي هاجرن نعت.
{وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً}: معطوف على ما قبله منصوب بالفتحة، و(مؤمنة) نعت منصوب.
{إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}: (إن) شرطية، ووهبت فعل الشرط ومفعوله، والجار والمجرور متعلق به.
{إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا}: شرط ثان داخل على الأول، والمصدر المؤول مفعول أراد، وجواب الشرطين محذوف دل عليه ما تقدم أي فقد أحللناها لك.
{خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}: (خالصة) حال منصوبة من الهبة أو مفعول مطلق لفعل محذوف، و(لك) متعلق بخالصة، و(من دون) متعلق بحال.
{لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ}: اللام وكي مصدرية ولا نافية، ويكون مضارع ناقص منصوب، وحرج اسم يكون مؤخر، وعليك خبرها مقدم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان التشريع النبوي الخاص وتأصيل الحكمة: ارتبطت الآية بآية أحكام المؤمنين السابقة (49) لترسم الفروق التشريعية الدقيقة بين سقف الأمة وسقف القيادة النبوية؛ فبينما تحصر الأمة في أربع نساء بولي ومهر، جاءت هذه الآية لتمنح النبي صلى الله عليه وسلم رخصاً خاصة تقتضيها طبيعة رسالته العالمية وبناء التحالفات القبلية وتأليف القلوب.
التوازن بين التوسعة ورفع الحرج: علل النظم هذه الأحكام بقوله {لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ}، ليعلم المسلمون أن تصرفات النبي في نكاحه لم تكن اتباعاً للهوى، بل كانت تنفيذاً لتشريع إلهي منزه عن الحرج والضيق ومحاط برحمة الله ومغفرته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التمييز والخصوصية في نكاح الهبة والعدد فوق أربع: يزعم المستشرقون والمشككون أن تخصيص النبي بإباحة الجمع بين أكثر من أربع ونكاح الهبة كان "امتيازاً نفعياً ذاتياً" حاباه به القرآن دون سائر المؤمنين.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الخصوصية في التكليف والمسؤولية قبل الامتياز: النبي صلى الله عليه وسلم خُص بأشق التكاليف التي لم تفرض على الأمة؛ ففرض عليه قيام الليل فرضا لازماً: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}، وحرمت عليه الصدقة والزكاة وعلى آله إلى قيام الساعة، وحُرم عليه التبديل والطلاق بعد ذلك تكريماً لنسائه؛ فمن كُلف بأعظم الأعباء جاز في حكمة التشريع أن يُوسع عليه في بعض الرخص لحكم رسالية عليا.
زواجه كان سياسياً ودعوياً وتشريعياً لا نفعياً: فكل زيادة في عدد نسائه صلى الله عليه وسلم ارتبطت بمصاهرة قبيلة معادية لتحويلها إلى حليفة (كبني المصطلق في جويرية، وخيبر في صفية، وغطفان وقريش)، فكان النكاح أداة حقن للدماء وتوسيع لرقعة الإسلام، ولم تكن الأمة تطيق مثل هذه المسؤوليات المركبة.
نكاح الهبة لم يباشره النبي عملياً: ثبت تاريخياً بنقل ابن عباس والصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج امرأة واحدة بنكاح الهبة طوال حياته، بل أقرها القرآن كرخصة نظرية تكريماً لمن تعرض نفسها عليه، وحين أتته الواهبة نفسها عرضها على أصحابه وتنازل عنها وزوجها لغيره بصداق القرآن، مما يثبت زهده التام في التوسع الشخصي وتجرده لربه.