سبب النزول وفرض الجلباب والستر العام: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 330)جامع البيانالطبري٢٠/٣٣٠ وابن كثير (ج 6، ص 446)مصدر غير محدد٦/٤٤٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، أن الفساق وأهل الريبة والمنافقين في المدينة كانوا يخرجون بالليل في سكك المدينة يترصدون النساء إذا خرجن لقضاء حوائجهن بالليل، وكانت النساء تخرجن متبذلات كالإماء، فإذا رأى الفساق المرأة بحجاب ضعيف أو حاسرة تعرضوا لها بالأذى والغمز، فإذا صيح بهم قالوا: "حسبناها أمة!"، فشكون ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية الآمرة بالستر الكامل والتمييز الحاسم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ...}.
تفسير الجلباب والإدناء في مأثور السلف:
تعريف الجلباب: يوضح القرطبي (ج 14، ص 243)مصدر غير محدد١٤/٢٤٣ وابن منظور في "لسان العرب" أن الجلباب هو الثوب الواسع السابغ الذي يستر جميع البدن من الرأس إلى القدمين، وهو فوق الخمار كالملحفة والعباءة.
كيفية الإدناء: روى الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد صحيح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة"، وروى الطبري عن عبيدة السلماني أنه سئل عن هذه الآية فغطى رأسه ووجهه وأبرز عينه اليسرى.
استجابة نساء الأنصار الفورية: يروي أبو داود في "سننه" (رقم 4101)مصدر غير محددحديث رقم ٤١٠١صحيح بإسناد صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "لما نزلت هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية (السود) من السكينة والستر".
تفسير الحكمة الاجتماعية {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}: يقرر السعدي (ص 671)مصدر غير محدد٦٧١ وابن عاشور (ج 22، ص 88)مصدر غير محدد٢٢/٨٨ أن المعنى: ذلك الستر السابغ بالجلباب أقرب وأجدر بأن يُعرفن بالعفة والصيانة والشرف والحرية، فلا يطمع فيهن طامع من أصحاب القلوب المريضة، ولا يتعرض لهن فاسق بأذى، فالحجاب هو الحصن الواقي والدرع الصائن لكرامة المرأة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{جَلَابِيبِهِنَّ}: جمع جلباب، وهو الملاءة والكساء الواسع الذي تشتمل به المرأة وتغطي به ثيابها وخمارها من رأسها إلى أسفل قدميها.
{يُدْنِينَ}: الإدناء هو التقريب والإرخاء والسدل؛ يقال: أدنت المرأة جلبابها إذا أرخته وأسدلته على وجهها ورأسها وبدنها.
{مِن}: للتبعيض أو لابتداء الغاية أو للبيان؛ وإدناء بعض الجلباب هو إرخاء طرفه على الوجه والعنق والصدر.
{أَدْنَىٰ}: أقرب وأليق وأجدر بتحقيق الغاية.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل}: نداء وأمر.
{لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور ومعطوفان متعلقان بـ (قل)، والمضاف إليه في المواضع الثلاثة.
{يُدْنِينَ}: مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل جزم جواب الطلب (قل) أو في محل نصب مقول القول على تقدير: ليدنين، أو خبر لفظاً أمر معنى، ونون النسوة فاعل.
{ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ}: اسم إشارة مبتدأ، و(أدنى) خبر مرفوع بضمة مقدرة.
{أَن يُعْرَفْنَ}: المصدر المؤول في محل نصب بنزع الخافض أي بأن يعرفن، وفعل مضارع مبني للمجهول في محل نصب ونون النسوة نائب فاعل.
{فَلَا يُؤْذَيْنَ}: الفاء فاء السببية عاطفة، ولا نافية، ويؤذين مضارع مبني للمجهول مبني على السكون في محل نصب أو جزم.
{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}: تذييل، كان واسمها وخبرها الأول والثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان الميثاق العام للحجاب والعفاف لكل نساء الأمة: يمثل هذا الموضع ذروة التشريع الاجتماعي في سورة الأحزاب؛ فبعد أن خصت الآيات السابقة (32-34 و53) أمهات المؤمنين بآداب القرار والحجاب من وراء ستر، وسعت هذه الآية دائرة التكليف بالستر ليشمل بنات النبي وجميع نساء المؤمنين إلى قيام الساعة بلا استثناء.
التناسب المباشر مع الآية السابقة (58): في الآية (58) حذر الله المرجفين والفساق من أذية المؤمنين والمؤمنات، ثم جاءت هذه الآية (59) لتضع التدبير الوقائي الحاسم لمنع تلك الأذية؛ فأمرت النساء بالحجاب السابغ ليقطعن أطماع الذئاب البشرية، فجمعت الشريعة بين زجر المعتدي وتحصين الضحية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أن الحجاب كان مجرد تمييز طبقي بين الحرائر والإماء وقد زال الرق فزال الحجاب: يروج المتغربون شبهة تزعم أن الحجاب فُرض فقط لكي تُعرف الحرة من الأمة، وبما أن نظام الرق قد انتهى في العصر الحديث فإن علة الحجاب قد سقطت ولم يعد واجباً!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال وتفكيك الشبهة:
كذب حصر العلة في التمييز الطبقي: العلة المنصوص عليها صراحة في الآية هي {فَلَا يُؤْذَيْنَ}، أي دفع الأذية والفتنة والعدوان؛ والتمييز بالمعرفة {أَن يُعْرَفْنَ} كان وسيلة لمعرفتهن بـ "العفة والصيانة والتقوى"؛ فالعفيفة المستترة بالجلباب يعلم الفاسق أنها ذات حياء ومروءة فينكف عنها ولا يطمع في مساومتها؛ وهذه العلة (صيانة المرأة من التحرش والأذى) علة باقية ومطردة في كل زمان ومكان.
عموم الحكم لكل مؤمنة بنص القرآن القطعي: الخطاب في الآية جاء عاماً مستغرقاً: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ}، وهو يشمل كل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إلى يوم القيامة؛ وتعليق الحكم بوصف الإيمان يقتضي دوران الحكم مع الإيمان وجوداً وعدماً، ولم يقل القرآن "ونساء الأحرار"، فبطل زعم التخصيص بالحرائر.
حكمة الشريعة في التدرج والستر: الإسلام جاء لتحرير الإنسان ورفع الحرج؛ والإماء كن يخرجن للخدمة والعمل الشاق في الأسواق فخفف عنهن في اللباس لمشقة العمل، فلما زال الرق بارتفاعه استقر الحكم العام الأصلي وهو وجوب الستر والكرامة والجلباب لكل امرأة مسلمة دون استثناء.
الترتيب الهرمي في الخطاب: {لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ}؛ بدأ بالأزواج (القدوة اللصيقة)، ثم بالبنات (فلذات الأكباد)، ثم عمم على سائر نساء الأمة؛ لبيان أن القدوة تبدأ من بيت الداعية، وأن الشريعة لا تحابي أحداً.
التعبير بالخبر في مقام الأمر (يدنين): أبلغ في إيجاب الامتثال؛ كأنه أمر مقرر مفروغ منه تسارع إليه المؤمنات فور سماعه.
التذييل بالمغفرة والرحمة: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}؛ عفو ومغفرة عما سلف منهن قبل نزول الحجاب من تبرج الجاهلية، ورحمة بهن بهذا التشريع الصائن.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الحجاب الشرعي ليس قيداً ولا تخلفاً، بل هو إعلان سيادة وهوية؛ تفرضه المرأة المسلمة على المجتمع لتجبر الجميع على احترام عقلها ودينها، وتمنع ابتذال جسدها كسلعة استهلاكية رخيصة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ فريضة "الجلباب الشرعي" في نفوس الفتيات والنساء؛ والتأكيد على شروطه السلفية المجمع عليها: (أن يكون واسعاً فضفاضاً لا يصف، صفيقاً لا يشف، غير مبهرج ولا يشبه لباس الرجال ولا الكافرات).
تثقيف المجتمع بأن صيانة المرأة وعفافها مسؤولية تضامنية؛ تبدأ بستر المرأة نفسها، وتكتمل بعقوبة المتحرشين وردع الفساق.