سبب النزول وقصة خطبة زينب بنت جحش لزيد بن حارثة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 268)جامع البيانالطبري٢٠/٢٦٨ وابن كثير (ج 6، ص 411)مصدر غير محدد٦/٤١١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش الأسدية (وهي ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب القرشية الهاشمية) لمولاه وتبنيه زيد بن حارثة رضي الله عنه، فأنفت زينب وأخوها عبد الله بن جحش من ذلك وقالا: "يا رسول الله، لا نرضاه لها، وهي ابنة عمتك وبنت قريش وأرفع منه نسباً، وهي خير منه حسباً وأنا لا أرضاه لها"، فبينما هما يمتنعان أنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، فلما سمعت زينب وأخوها الآية تراجعا فوراً وخضعا لحكم الله ورسوله، وقالت: "يا رسول الله، رضيت بما رضيه الله ورسوله"، فزوجها لزيد بن حارثة.
الأصل التشريعي الحاسم للتسليم المطلق: يقرر الشنقيطي في "أضواء البيان" والقرطبي (ج 14، ص 179)مصدر غير محدد١٤/١٧٩ أن هذه الآية قاعدة شرعية قطعية وأصل من أصول الإيمان؛ وهو أنه متى صح أمر الله ورسوله في مسألة ما من مسائل الدين أو الدنيا، فلا خيار لأحد من المكلفين في معارضته أو المفاضلة بينه وبين رأيه أو هواه أو عرفه القبلي، بل يجب التسليم والانقياد التام.
القراءات المتواترة: قرأ الجمهور {أَن يَكُونَ} بالياء مراعاة للفصل أو لفظ المذكر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير {أَن تَكُونَ} بالتاء لتأنيث (الخيرة).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{قَضَى}: القضاء هنا الحكم والإلزام والتشريع النافذ.
{الْخِيَرَةُ}: بكسر الخاء وفتح الياء؛ وهي الاختيار وانتقاء الأصلح بزعم النفس؛ يقال: فلان له الخيرة في أمره أي له أن يختار ما يشاء بمحض هواه ورأيه.
{ضَلَالًا مُّبِينًا}: الضلال هو العدول عن طريق الهدى والاستقامة؛ والمبين هو الظاهر المكشوف الذي لا خفاء في شناعته وسوء مآله.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ}: الواو استئنافية، (ما) نافية، (كان) فعل ماض ناقص، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر كان مقدم.
{وَلَا مُؤْمِنَةٍ}: عطف على مؤمن، و(لا) لتأكيد النفي.
{إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا}: (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه متعلق بالاستقرار في الخبر، (قضى) فعل ماض، واسم الجلالة فاعله، ورسوله معطوف، و(أمراً) مفعول به منصوب.
{أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}: (أن) مصدرية ناصبة، (يكون) مضارع ناقص منصوب، والمصدر المؤول (أن يكون) في محل رفع اسم كان المؤخر، والجار والمجرور (لهم) متعلق بمحذوف خبر يكون مقدم، و(الخيرة) اسم يكون مؤخر مرفوع بالضمة.
{مِنْ أَمْرِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بالخيرة أو بحال محذوفة منها.
{وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: الواو استئنافية شرطية، (من) اسم شرط جازم مبتدأ، (يعص) فعل الشرط مضارع مجزوم بحذف حرف العلة، والفاعل مستتر، واسم الجلالة مفعول به، ورسوله معطوف.
{فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}: الفاء رابطة للجواب، (قد) تحقيق، و(ضل) فعل ماض، والفاعل مستتر، و(ضلالاً) مفعول مطلق منصوب، و(مبيناً) نعت منصوب، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التمهيد التشريعي لإبطال التبني عملياً: هذه الآية تمثل القاعدة الأصولية الحاسمة التي تمهد للمعضلة الاجتماعية والتشريعية الكبرى في الآية التالية (37)؛ فزواج زينب من زيد أولاً كان حطماً للفوارق الطبقية والطبائع القبلية التي تأبى تزويج الشريفة القرشية للمولى المحرر، وزواج النبي منها لاحقاً كان إبطالاً لعقيدة التبني الجاهلية الراسخة. فجاءت هذه الآية لتلزم الجميع بنزع أهوائهم واعرافهم أمام قضاء الله ورسوله.
صيغة النفي الاستغراقية الصارمة: استعمل النظم النفي بـ {وَمَا كَانَ}، وهي أبلغ صيغة قرآنية تدل على الامتناع والاستحالة الذاتية والشرعية؛ أي لا ينبغي ولا يصح ولا يتصور من مؤمن حقيقي أن ينازع الله ورسوله في حكم قضياه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مصادرة الإرادة والحرية الشخصية في الإسلام: يدعي العلمانيون والنفعيون أن الآية تصادر الحرية الفردية وتلغي حق الإنسان في اختيار شريك حياته وقراراته الخاصة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
مقتضى عقد الإيمان والعبودية: إن حقيقة "الإيمان" تقوم على الإقرار بأن الله هو الخالق العليم الحكيم المالك لكل شيء، وأن الإنسان عبد مملوك؛ وعقد العبودية يقتضي عقلاً ومنطقاً أن تكون مشيئة الخالق مقدمة على مشيئة المخلوق الجاهل بمآلات الأمور. فمن رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً فقد سلم قياده بحريته واختياره لحكم الله الأكمل والأعدل.
التفرقة بين المباحات الشخصية والتشريعات الملزمة: للإنسان حريته الكاملة في اختيار طعامه ولباسه وزواجه وسائر مباحاته ما لم يصطدم بنص شرعي قطعي أو تكليف نبوي خاص لمصلحة عليا؛ وحين قضى النبي صلى الله عليه وسلم زواج زينب من زيد لم يكن تصرفاً استبدادياً، بل كان تشريعاً ربانياً لهدم الطائفية والطبقية الجاهلية وبناء مجتمع المساواة الإسلامي.
حماية الإنسان من الهوى المردي: النفس البشرية تميل بطبعها إلى الهوى وقصر النظر؛ وحكم الله ورسوله إنما يأتي رحمة لحفظ مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم؛ فالتسليم له هو عين العقل والحرية الحقيقية من أسر الشهوات والعصبيات الزائفة.
استعمال صيغة (وما كان لـ): تفيد في لغة التنزيل النفي المانع شرعاً وعقلاً؛ أي لا يصح بحال أن يجتمع الإيمان الصادق مع التردد في قبول حكم الله.
التعميم المستغرق بـ (مؤمن ومؤمنة): نكرتان في سياق النفي تفيدان الاستغراق المطلق لجميع أفراد الأمة ذكوراً وإناثاً من يوم النزول إلى قيام الساعة.
الختام بالوعيد الحاسم (فقد ضل ضلالاً مبيناً): وصف الضلال بالمبين؛ للدلالة على أن من قدم رأيه أو عقله أو هواه على حكم الله ورسوله فقد وقع في ضلال مكشوف لا لبس فيه ولا عذر لصاحبه.
اللطائف التدبرية والإشارية:
معيار صدق العبد يظهر عند اصطدام أمر الله بهوى النفس؛ فمن قال: "سمعنا وأطعنا" فاز ورشد، ومن تشكك وتلكأ وطلب "الخيرة" لنفسه سقط في الفتنة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ مبدأ "حاكمية الشريعة ومرجعيتها المطلقة" في نفوس المسلمين؛ فلا يقبل عقلنة النصوص لرد الأحكام القطعية، بل العقل الصريح خادم للنقل الصحيح.
محاربة العصبيات القبلية والفوارق الطبقية التي تحول دون تطبيق شرع الله؛ والاقتداء بامتثال زينب وعبد الله بن جحش رضي الله عنهما حين خضعا للوحي فور نزوله.