موقف الصفوة الإيمانية عند معاينة الجيوش: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 232)جامع البيانالطبري٢٠/٢٣٢ عن قتادة ومجاهد وابن زيد، أن المؤمنين الخلص لما نظروا إلى عشرة آلاف مقاتل قد أحاطوا بالمدينة ورأوا تظاهر اليهود والمشركين، لم يتطرق الشك إلى قلوبهم قيد أنملة، بل صاحوا بلسان اليقين: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}.
حقيقة الوعد الإلهي المذكور: يذكر ابن كثير (ج 6، ص 394)مصدر غير محدد٦/٣٩٤ أن هذا الوعد الذي استحضره المؤمنون هو ما نزل عليهم في سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، وما بشرهم به النبي من فتوحات وابتلاءات؛ فلما عاينوا البلاء والزلزلة علموا أنها أمارة اقتراب النصر والتمكين، فزادهم ذلك يقيناً بربهم.
بيان زيادة الإيمان والتسليم: يقرر القرطبي (ج 14، ص 156)مصدر غير محدد١٤/١٥٦ أن هذه الآية نص صريح قاطع على مذهب أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يزيد وينقص؛ زادهم إيماناً في التصديق القلبي بالوعد، وتسليماً لأمر الله وأقداره وانقياداً للجهاد في سبيله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{رَأَى}: الرؤية البصرية لمعاينة الحشود والألوية العسكرية رأي العين.
{تَسْلِيمًا}: مصدر سلّم؛ والتسليم هو الخضوع المطلق والانقياد التام لأمر الله وقضائه دون أدنى اعتراض باطن أو ظاهر.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ}: الواو عاطفة، (لما) رابطة أو ظرفية حينية تتضمن معنى الشرط، (رأى) ماض مبني على الفتح المقدر، (المؤمنون) فاعل مرفوع بالواو، و(الأحزاب) مفعول به منصوب.
{قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ}: جواب لما لا محل له، وجملة (هذا ما وعدنا) مقول القول؛ (هذا) مبتدأ، و(ما) اسم موصول خبر، وجملة (وعدنا الله) صلة، ونا مفعول أول واسم الجلالة فاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره إياه.
{وَرَسُولُهُ}: معطوف على اسم الجلالة.
{وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}: عطف تأكيد، فعل وفاعل ومعطوف.
{وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}: الواو عاطفة أو حالية، (ما) نافية، (زادهم) فعل ومفعوله الأول وفاعله مستتر يعود على رؤية الأحزاب، و(إلا) حصر، و(إيماناً) مفعول ثان منصوب، و(تسليماً) معطوف عليه منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الكبرى بين المعسكرين: هذا الموضع هو درة التاج في السياق؛ حيث قابل النظم مقالة المنافقين في الآية (12): {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} بمقالة المؤمنين في هذه الآية: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}. فالمشهد الميداني واحد (حصار، برد، جوع، أحزاب)، لكن تفسير المشهد اختلف بنسبة مائة وثمانين درجة: المنافق رآه غروراً وكذباً وهزيمة، والمؤمن رآه صدقاً وبشارة واقتراباً للنصر.
التدرج النفسي العجيب: الطبيعة البشرية المجردة إذا رأت العدو قد زاد تضاعف خوفها، لكن المؤمنين الكمل كلما رأوا كثرة العدو وشدة المحنة تضاعف يقينهم وانقيادهم؛ وهذا سر المعادلة الإيمانية التي لا تقاس بالمقاييس المادية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استدلال المرجئة على عدم تفاضل الإيمان: حاولت بعض الفرق المرجئة قديماً الزعم بأن الإيمان هو مجرد التصديق المجرد وأنه لا يزيد ولا ينقص، وتأولوا الآيات.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
صراحة اللفظ القرآني: قوله تعالى {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} نص قاطع جلي لا يحتمل التأويل في أن الإيمان يزيد؛ وزيادته هنا وقعت في لحظة الشدة، فاشتد يقينهم واستبصارهم وتصديقهم حتى صار كالمعاينة.
اقتران الإيمان بالتسليم: عطف "التسليم" على الإيمان برهان على أن الإيمان يتضمن العمل والانقياد والامتثال؛ فالتسليم عمل الجوارح والقلب معاً، وزيادة التسليم تقتضي بذل المهج واستقبال السهام برضا وطمأنينة.
إن العقل الصريح يدرك بالضرورة أن إيمان الصديق في الغار وإيمان الصحابة تحت حوافر الخيل في الخندق ليس كإيمان آحاد الناس في أوقات الراحة والرخاء؛ فالمفاضلة واقعة شرعاً وعقلاً وحساً.
الإشارة بالقريب (هذا): {هَذَا مَا وَعَدَنَا}؛ إشارة حسية واثقة بالحاضر المشاهد؛ كأنهم كانوا ينتظرون هذا البلاء بلهفة ليتحقق الموعد الإلهي بالتمكين بعد الابتلاء.
التأكيد بالفعل والصدق: {وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}؛ إثبات الصدق الإلهي والنبوي في مقابلة من زعم الغرور، للدلالة على ثبات العقيدة الراسخة التي لا تزعزعها الجيوش.
الحصر والاستثناء المفرغ: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}؛ قصر أثر رؤية الأحزاب على زيادة اليقين والانقياد، ونفي تام لأي أثر للخوف والوهن والتردد.
اللطائف التدبرية والإشارية:
أمارة المؤمن الصادق أنه يرى الفرج في جوف الشدة؛ فكلما اشتدت ظلمة الليل أيقن أن بزوغ الفجر بات وشيكاً، لأن سنة الله جرت بأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ ثقافة اليقين بوعد الله في صفوف العاملين للإسلام؛ فإذا تكالبت الأمم وحوصرت الدعوات، كان الواجب استحضار سنن الابتلاء والتمكين وتجديد الثقة المطلقة بنصر الله.
تربية القواعد الجماهيرية على "التسليم" الواعي؛ فالمؤمن يناقش ويخطط ويفكر، لكنه عند أمر الله وقدره يسلم تسليماً مطلقاً بلا تردد.
العمل والوجدان الإيماني:
استقبال الشدائد بزيادة العبادة والتضرع والانقياد، لا بالاعتراض والتشكي والبحث عن التنازلات.
استشعار حلاوة الإيمان التي تجعل صاحبها يتلذذ بالثبات على المبدأ ولو تكالبت عليه الدنيا بأسرها.