وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وقصة آية الحجاب الكبرى ووليمة زينب: يروي الشيخان البخاري (رقم 4791)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٩١ ومسلم (رقم 1428)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٢٨ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أنا أعلم الناس بآية الحجاب؛ لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، أطعم الناس بالمدينة لحماً وخبزاً حتى شبعوا، ثم خرج الناس وبقي ثلاثة نفر في بيت عائشة يتحدثون، فطال جلوسهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يختلي بأهله، فخرج صلى الله عليه وسلم وطاف بحجر نسائه يسلم عليهن ويسلمن عليه ويدعون له، ثم رجع فإذا النفر الثلاثة ما زالوا جلوساً يتحدثون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء يستحيي أن يقول لهم: اخرجوا، فلما رأوه رجع أحسوا بحيائه فقاموا فخرجوا سراعاً، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت هذه الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ...}.
موافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للوحي في الحجاب: يروي البخاري في "صحيحه" (رقم 402 و4790) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: "يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟"، فأنزل الله آية الحجاب: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}.
الأحكام التشريعية الكبرى المتضمنة في الآية:
آداب الاستئذان والدخول إلى البيوت الكريمة: عدم الدخول إلا بإذن مقترن بدعوة لطعام.
الانضباط في مواعيد الوليمة: عدم المجيء المبكر لترقب نضج الطعام {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}، والانتشار والمغادرة الفورية بعد الفراغ من الأكل دون استئناس لحديث يعطل أهل البيت.
فرض الحجاب التام على أمهات المؤمنين: بمخاطبتهن وسؤالهن الحوائج من وراء ستر وحائل.
التحريم الأبدي القاطع لنكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته: لكونهن أمهات المؤمنين في الحرمة والاحترام، وأزواجه في الجنة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{إِنَاهُ}: إناه هو نضجه واستواؤه ووقته؛ أنى الطعام يأنى أَنْياً وإِنىً إذا بلغ غايته في النضج.
{فَانتَشِرُوا}: الانتشار التفرق والخروج والذهاب في سبل المعاش.
{مَتَاعًا}: المتاع كل ما يحتاج إليه البيت من عارية إناء أو طعام أو سائل يسأل عن فتوى أو حاجة.
{حِجَابٍ}: الحجاب الستر والمانع الحائل الحسي بين شخصين أو بين البيت والشارع.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ}: نداء، ولا ناهية جازمة وتدخلوا مضارع مجزوم بالواو، وبيوت النبي مفعول به منصوب على السعة أو ظرف مكان.
{إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ}: (إلا) حصر، و(أن) مصدرية، و(يؤذن) مضارع مبني للمجهول منصوب، والمصدر المؤول في محل نصب حال من الفاعل أو استثناء مفرغ أي إلا مأذوناً لكم.
{إِلَىٰ طَعَامٍ}: متعلق بيؤذن.
{غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}: (غير) حال منصوبة من الضمير في لكم، و(ناظرين) مضاف إليه وهو اسم فاعل عامل، و(إناه) مفعول به لاسم الفاعل منصوب بالفتحة المقدرة والهاء مضاف إليه.
{وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا}: لكن حرف استدراك، وإذا ظرف شرطي، ودعيتم فعل ماض للمجهول والتاء نائب فاعل، والفاء رابطة وادخلوا أمر جوابه.
{وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ}: الواو عاطفة، ولا نافية، و(مستأنسين) معطوف على الحال في قوله (غير ناظرين) منصوب بالياء أو حال من فاعل انتشروا، ولحديث متعلق بمستأنسين.
{إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ}: تعليل مستأنف، إن واسمها وخبرها.
{وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ}: نفي مانع، ما نافية وكان وخبرها مقدم لكم والمصدر المؤول (أن تؤذوا) اسمها المؤخر.
{وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا}: معطوف على أن تؤذوا، وأبداً ظرف زمان مؤبد للمستقبل.
{إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا}: إن واسمها وخبرها، وعند الله متعلق بعظيماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البناء الاجتماعي والتربوي لآداب البيوت وحرمة القائد: تمثل هذه الآية الكريمة الدستور الأرقى في حفظ الخصوصيات والآداب الاجتماعية؛ حيث نظمت أدق تفاصيل السلوك الإنساني في المناسبات العامة (الولائم) لمنع التطفل والابتذال وحماية وقت القائد وحيائه الشريف.
التدرج من الأدب الظاهري إلى الطهارة الباطنة والتشريع الأبدي:
الأدب الحركي: الانضباط في الدخول والخروج وعدم تضييع الأوقات بالثرثرة.
الأدب الأخلاقي: الحجاب الكامل من وراء ستر.
التعليل القلبي العظيم: {ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}؛ فالطهارة هي الغاية العليا لغض البصر والستر.
شبهة أن فرض الحجاب خاص بأمهات المؤمنين لكون قلوبهن تحتاج إلى طهارة استثنائية: يزعم بعض المعاصرين المتنصلين من الحجاب أن قوله {ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} خاص بنساء النبي، وأن نساء عامة المسلمين لسن مطالبات بالحجاب لانتفاء خصوصية أمهات المؤمنين!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال (دلالة مفهوم الموافقة القطعي):
التعليل بعلة أطهر للقلوب حجة على العموم لا التخصيص: يقرر أئمة الأصول والتحقيق (كالشنقيطي في أضواء البيان، وابن عاشور، والقرطبي) أن التعليل بالطهارة {ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} هو تعليل لعموم الحكم بطريق "الأولى" (مفهوم الموافقة القياسي)؛ فإذا كانت أمهات المؤمنين الطاهرات المبرآت من الشكوك وأصحاب النبي الأطهار الأبرار (خير القرون) محتاجين إلى الحجاب من وراء ستر لتطهير قلوبهم وصيانتها من وسوسة الشيطان وخواطر السوء، فكيف بنساء ورجال سائر الأمة في العصور المتأخرة التي كثرت فيها الفتن ورقت فيها الديانة؟ إنهم أحوج وألزم بالحجاب والستر قطعاً.
الربط مع آية الجلابيب اللاحقة (59): صرحت الآية (59) من السورة نفسها بتعميم الحجاب والستر على بنات النبي ونساء المؤمنين جميعاً: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ}؛ مما يبطل تماماً دعوى حصر الحجاب في أزواج النبي، ويثبت أنه فريضة عامة صائنة لكل مسلمة.
حكمة تحريم نكاح أزواجه بعده: أزواج النبي أمهات للمؤمنين في الحرمة، والابن لا ينكح أمه شرعاً وعقلاً وفطرة، ولأنهن أزواجه في الجنة، ولصيانة جنابه الشريف من أن يخلفه أحد على فراشه، فكان ذلك تعظيماً لمقامه الكريم.
الإيجاز بالحذف والبلاغة النفسية في قوله: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}؛ تصوير بليغ لأولئك الثقلاء الذين يأتون قبل نضج الطعام ويتربصون في المجلس، فحسم النظم هذا السلوك المبتذل بعبارة رشيقة موجزة.
الاحتراس الإلهي الباهر: {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}؛ جملة معترضة تدفع الحياء المانع من بيان الأحكام؛ فالحياء في كف الأذى محمود، ولكن الحياء في بيان الحق والتشريع مذموم.
صيغة التفضيل في (أطهر): للدلالة على أن ستر الحجاب يفيض على القلوب طهارة إضافية تامة تسد كل منافذ الشيطان وهواجس الشهوة.
التأبيد بـ (أبداً) والتهويل بـ {إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا}: لإغلاق الباب نهائياً أمام أي طمع أو وهم في نكاح أمهات المؤمنين.
اللطائف التدبرية والإشارية:
عظمة خلق النبي صلى الله عليه وسلم في حيائه ولين جانبه؛ حيث آثره الله بالبيان حين استحيى هو من مصارحة ضيوفه الكرام، فنزل الوحي ليعلم الأمة توقير نبيهم وحفظ وقته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تعلم وتطبيق أدب الضيافة والزيارة في الإسلام: الحضور في الموعد، عدم إثقال كاهل المضيف بالمكوث الطويل والثرثرة، وسرعة الانصراف بعد انتهاء الغرض.