اندحار الأحزاب بالخيبة والغيظ: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 239)جامع البيانالطبري٢٠/٢٣٩ عن قتادة ومجاهد وابن زيد، أن الله تعالى رد قريشاً وغطفان وسائر قبائل الأحزاب أدراجهم إلى مكة ونجد خائبين مدحورين، ممتلئين غيظاً وحنقاً وكمداً، لم ينالوا خيراً في دنياهم من ظفر ولا غنيمة ولا فتح، ولا في آخرتهم بل نالوا الخسران وسخط الديان.
تفسير كفاية القتال بالريح والرعب: يوضح ابن كثير (ج 6، ص 396)مصدر غير محدد٦/٣٩٦ في قوله {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}: أي لم يحتاجوا إلى مناجزة ومصاولة وتلاحم بالسيوف والأسنة لإجلائهم عن بلدهم، بل كفاهم الله ذلك بإرسال الريح العاصف الصرصر والجنود الغيبية من الملائكة وقذف الرعب في قلوبهم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه في "صحيح البخاري" (رقم 2933)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٢٩٣٣ و"صحيح مسلم" (رقم 2724)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٧٢٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، نَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ».
التحول الاستراتيجي في موازين القوى: يذكر القرطبي (ج 14، ص 160)مصدر غير محدد١٤/١٦٠ عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب حين أجلاهم الله: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ» (رواه البخاري رقم 4110)، فتحول الموقف العسكري من الدفاع إلى الهجوم التام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{رَدَّ}: الصرف والإرجاع بالقهر والغلبة إلى حيث أتوا.
{بِغَيْظِهِمْ}: الغيظ أشد الغضب المقترن بالحرقة والكمد والعجز عن الانتقام.
{خَيْرًا}: الخير هنا الغنيمة، والظفر، واستئصال المسلمين، والشفاء لصدورهم.
{قَوِيًّا}: ذو القوة التامة التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: اسم موصول مفعول به في محل نصب، وجملة كفروا صلة الموصول.
{بِغَيْظِهِمْ}: الباء للملابسة والمصاحبة، والجار والمجرور في محل نصب حال من المفعول به، أي ردّهم متلبسين بغيظهم وكمدهم.
{لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا}: جملة في محل نصب حال ثانية من الذين كفروا؛ (لم) جازمة، و(ينالوا) مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، و(خيراً) مفعول به منصوب.
{وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}: الواو عاطفة، (كفى) فعل ماض، واسم الجلالة فاعل، والمؤمنين مفعول به أول منصوب بالياء، و(القتال) مفعول به ثان منصوب.
{وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}: الواو تذييلية، كان واسمها وخبرها الأول والثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نهاية الحصار وانقلاب المشهد الكلي: جاءت هذه الآية لتسدل الستار على معركة الخندق العظمى بأروع خاتمة بيانية؛ فالجيوش الجرارة التي أقسمت ألا ترجع حتى تستأصل الإسلام عادت تجر أذيال الخيبة والمهانة، دون أن يضطر المسلمون إلى خوض ملحمة دموية تفنيهم؛ فكانت النتيجة مطابقة تماماً لوعد الله الصادق في مطلع القصة {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا}.
التناسب بين صفات الله ونتائج المعركة: ختمت الآية بـ {وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}؛ فالقوة ظهرت في تحريك الرياح والملائكة وكسر شوكة الأحزاب، والعزة ظهرت في نصرة أوليائه المستضعفين وإذلال الجبابرة المتكبرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع قتال في الخندق ومقتل بعض الصحابة كعمرو بن عبد ود وسعد بن معاذ: يقول مشكك: كيف يقول القرآن {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} وقد وقعت مبارزات فردية وقتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود، ورُمي سعد بن معاذ بسهم مات منه؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
نفي القتال الميداني التام: المقصود بنفي القتال هو المعركة العامة والملحمة الكبرى بين الجيشين وجهاد الاستئصال؛ فالأحزاب جاءوا لعشرة آلاف مقاتل لاقتحام المدينة وإبادة أهلها بالسيف، فكفى الله المسلمين هذا الاصطدام العام الماحق بصرف الأحزاب بالريح والرعب، والمبارزات الفردية ورشق السهام عبر الخندق لا تسمى قتالاً عاماً حاسماً.
نسبة الفضل لله وحده: إن انتهاء الحصار واندحار الأحزاب لم يكن بسبب انتصار جيش المسلمين عسكرياً على عشرة آلاف في الميدان المفتوح، بل كان بتدبير إلهي بحت عبر الريح والرعب والخذلان، ولذلك استحق الله وحده الحمد على كفاية القتال.
استشهاد الأبرار جزء من حكمة البلاء: إصابة سعد بن معاذ رضي الله عنه كانت تمهيداً لحكمه العادل في بني قريظة ونيله أرفع درجات الشهادة التي اهتز لها عرش الرحمن، مما يثبت أن السنن جرت بأحكم غاياتها.
الحال المصاحبة المذلة: {بِغَيْظِهِمْ}؛ تصوير بياني رائع لخيبة الكافر؛ فقد رجع محتقناً بغيظه لم يشف صدره بقتل ولا سبي ولا غنيمة، بل ارتد كيده في نحره.
التنكير للتحقير والاستغراق: {لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا}؛ تنكير خيراً في سياق النفي يفيد استغراق نفي أي نوع من أنواع النفع دقيقاً كان أو جليلاً.
الفعل (كفى) الدال على الكفاية التامة: إشعار بأن معونة الله تغني عن كل سبب، وتكفي العباد كل هول متى ما صدقوا في توكلهم.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من حارب أولياء الله عاد بخفي حنين؛ فالغيظ يأكل قلوب أعداء الدين حين يرون نور الله يعلو ومكرهم يبور، وتتحول نفقاتهم إلى حسرة عليهم: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تعليق القلوب بنصر الله القاهر؛ فإذا أغلقت الأبواب وتكالب الأعداء وتخاذل الأعوان، وجب التيقن بأن الله قادر على أن يفك الحصار بجند من جنده دون قتال.
استثمار نتائج النصر والتمكين؛ فبعد زوال الأزمة يبادر المسلم إلى أخذ زمام المبادرة والانطلاق لنشر الدعوة والخير في الآفاق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.