سبب النزول بالأثر الصحيح في مسألة القلبين والأدعياء:
أخرج الإمام الترمذي في سننه (رقم 3199)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٩٩ وحسنه، وابن جرير الطبري (21/119)مصدر غير محدد٢١/١١٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قام النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي فخطر خطرة (أي سها سهوة)، فقال المنافقون: إن له قلبين؛ قلباً معكم وقلباً معهم! فأنزل الله تعالى: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}».
وروى الطبري وابن كثير (6/365)مصدر غير محدد٦/٣٦٥ عن قتادة ومجاهد والزهري أن رجلاً من بني فِهر يدعى "جميل بن معمر الفهري" كان لبيباً فصيحاً حفظاً، وكان مشركو قريش يقولون له: "ذو القلبين"؛ لفرط ذكائه وحفظه، وكان يقول: "إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد"، فأنزل الله تكذيبه وتبيين الحقيقة التكوينية.
ونزلت في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي كان يقال له في الجاهلية والإسلام: "زيد بن محمد" بالتبني، وفي شأن الظهار الجاهلي؛ لإبطال هذه الأباطيل كلها بحقيقة واحدة محكمة.
إبطال الظهار بالأثر:
الظهار: قول الرجل لزوجته: "أنت عليّ كظهر أمي"؛ وكان في الجاهلية يعد طلاقاً بائناً مؤبداً وتحريماً أبدياً، فأبطله الله وجعله منكراً وزوراً كما فصله في سورة المجادلة.
إبطال التبني بالأثر:
الأدعياء: جمع دَعِيّ، وهو المنكوح أو المتبنى الذي يدعى إلى غير أبيه؛ فنفى الله أن يكون الدعي ابناً حقيقياً يترتب عليه أحكام النسب والميراث والمحرمية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الجَوْف: باطن الشيء وخلاؤه؛ وجوف الإنسان: ما انحصر داخل صدره وبطنه.
تُظَاهِرُونَ: أصله تتظاهرون، من الظهر؛ والظهار أن يقول لزوجته أنت علي كظهر أمي تشبيهاً لها بأشرف عضو في المحارم تحريماً.
الأَدْعِيَاء: جمع دَعِيّ، وهو المتبنى الذي يدعيه الرجل ابناً له وهو ليس من صلبه، أو من يدعي نسباً غير نسبه الحقيقي.
الإعراب والوجوه النحوية:
{مَّا}: نافية مهملة مبنية على السكون.
{جَعَلَ اللَّهُ}: جعل فعل ماض مبني على الفتح، ولفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِرَجُلٍ}: جار ومجرور متعلقان بجعل في محل المفعول به الثاني.
{مِّن قَلْبَيْنِ}: {مِنْ}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراقه، {قَلْبَيْنِ}: مفعول به أول مجرور لفظاً منصوب محلاً بالياء لأنه مثنى.
{فِي جَوْفِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بنعت لقلبين.
{وَمَا جَعَلَ}: الواو عاطفة، ما نافية وجعل ماض والفاعل مستتر.
{أَزْوَاجَكُمُ}: مفعول به أول لجعل منصوب، والكاف مضاف إليه وحركت الميم بالضم لالتقاء الساكنين.
{اللَّائِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب نعت لأزواجكم، وقرئ بتسهيل الهمزة والياء والهمز.
{ذَٰلِكُمْ}: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{قَوْلُكُم}: خبر المبتدأ مرفوع، والكاف مضاف إليه.
{بِأَفْوَاهِكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بحال من قولكم (أي كائناً بأفواهكم لا حقيقة له).
{وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ}: الواو استئنافية، لفظ الجلالة مبتدأ، وجملة يقول الحق خبره.
{وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}: معطوف، هو مبتدأ، وجملة يهدي السبيل خبره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء القاعدة المنطقية الكبرى: تطابق الواقع مع الحقيقة وإلغاء التناقض:
بعد أن أمر بالتقوى والاتباع، بدأ السياق هنا بعملية "تطهير تشريعي واجتماعي هائل" للعقلية الجاهلية؛ فاستهل بضرب مثل تشريعي وتكويني فطري بديع:
كما أنه يستحيل في خلقة الإنسان البيولوجية أن يكون للرجل قلبان في جوف واحد، فكذلك يستحيل في منطق الحق أن تكون الزوجة أماً، ويستحيل أن يكون الدعي الغريب ابناً حقيقياً من الصلب!
فالأشياء لها حقائق تكوينية لا تغيرها الألفاظ والادعاءات الشفوية المجردة؛ فالكلمة التي تقال بالفم {بِأَفْوَاهِكُمْ} لا تخلق حقيقة بيولوجية ولا نسباً حقيقياً في واقع الكون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إلغاء نظام "التبني" وظلم الأيتام ومجهولي النسب: يزعم المدافعون عن القوانين الغربية المعاصرة أن إلغاء الإسلام للتبني فيه قسوة على الأيتام وحرمان لهم من دفء الأسرة والميراث وحمل اسم الأب المتبني.
تزوير الأنساب واختلاط المياه: نسبة الولد إلى غير أبيه تزوير للحقيقة البيولوجية، وظلم للأب الحقيقي، وخيانة للتاريخ والجينات.
الوقوع في زنا المحارم المحرم: إذا تبنى الرجل طفلة غريبة فكبرت معه، فإنها تحل له ولأولاده شرعاً؛ فاعتبارها بنتاً بالتبني الصوري يوقع في المحظورات، أو يمنع ما أحل الله، وقد يؤدي إلى زواج الأخ من أخته البيولوجية دون أن يعلم بسبب تغيير الأنساب!
أكل أموال الورثة بالباطل: إدخال أجنبي ليرث مع الأولاد الحقيقيين حرمان للورثة الشرعيين بغير وجه حق.
البديل الإسلامي الأرقى (كفالة اليتيم): الإسلام لم يحرم رعاية الأيتام، بل جعل كافل اليتيم رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وأجاز الوصية له بثلث المال؛ ولكنه حفظ "نقاء النسب"؛ فالرعاية والإحسان شيء، وتزوير الأنساب ومصادرة الحقيقة البيولوجية شيء آخر تماماً.
ذكر الجوف مع أن القلب لا يكون إلا فيه؛ لزيادة التقرير الحسي ونفي أي مجاز، ولإحضار صورة الصدر الواحد الذي لا يتسع لعقيدتين متناقضتين: الإيمان والنفاق.
التصوير البلاغي بـ {ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ}:
تحقير للدعاوى الجاهلية وتجريدها من القيمة؛ تصويرها بأنها مجرد "حركات لسانية وأصوات فارغة تخرج من الأفواه" لا رصيد لها من الواقع والصدق كالهباء المنثور.
المقابلة الصارمة بين قول البشر وقول الله:
{قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} في مقابل {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}؛ فكلام البشر ظنون وأوهام وأعراف باطلة، وكلام الله هو الحق المطابق لنظام الكون وهداية الصراط المستقيم.
التدبر الإشاري:
كما لا يجتمع قلبان في جوف واحد، فكذلك لا يجتمع في قلب المؤمن محبة الله ورسوله مع محبة أعدائهما، ولا يجتمع الإخلاص مع الرياء، ولا اليقين مع الشك؛ فالقلب وعاء واحد فاملأه بنور التوحيد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
مواجهة التقاليد والأعراف الفاسدة بسلطان الوحي؛ وتجريد المفاهيم الاجتماعية من الزيف ببيان الفارق بين "كفالة اليتيم المشروعة" و"التبني المحرم".
التوجيه التربوي:
غرس قيمة الصدق والشفافية وتسمية الأشياء بحقائقها دون مواربة أو اتباع للألفاظ الجوفاء.
التوجيه العملي:
حفظ الأنساب وتوثيقها بدقة، وتجنب ألفاظ الظهار في المشاحنات الزوجية والتوبة منها بالكفارة المغلظة، والإحسان إلى الأيتام بالكفالة الشرعية.
الوجدان الإيماني:
الطمأنينة والانقياد لحكم الله الحق؛ واليقين بأن شريعة الله هي التي تهدي إلى سبيل الرشاد والأمان الأسري.