تفسير التحية ومرجع الضمير: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 291)جامع البيانالطبري٢٠/٢٩١ وابن كثير (ج 6، ص 419)مصدر غير محدد٦/٤١٩ عن ابن عباس وقتادة والزهري، في قوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ}: فيه وجهان سلفيان جليلان:
الوجه الأول: أن الضمير في {يَلْقَوْنَهُ} يعود على الله تبارك وتعالى؛ أي تحية الله لهم يوم يلقونه في الجنة بالسلام، كقوله تعالى في سورة يس: {سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}؛ فيسلم الله عليهم إكراماً وتبجيلاً، وتسلم عليهم ملائكته: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}.
الوجه الثاني: تحية بعضهم لبعض في الجنة؛ كما قال تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}.
وقيل: يوم يلقون ملك الموت عند الاحتضار يبشرهم بالسلام والجنة؛ والأول هو الأظهر والأفخم سياقاً ومقاماً.
تفسير الأجر الكريم: يقرر السعدي (ص 667)مصدر غير محدد٦٦٧ والقرطبي (ج 14، ص 193)مصدر غير محدد١٤/١٩٣ أن {أَجْرًا كَرِيمًا} هو ما هيأه الله لهم في الجنة من النعيم المقيم، والقصور الشامخة، والحور العين، والأنهار الجارية، وأعظم من ذلك كله النظر إلى وجهه الكريم وسماع خطابه بالرضوان الأبدي الذي لا سخط بعده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{تَحِيَّتُهُمْ}: التحية هي التكرمة والأمان والدعاء بالحياة الطيبة والسلامة من الآفات؛ وأصلها تفعيل من الحياة.
{سَلَامٌ}: السلام اسم جامع للأمان، والسلامة من كل كدر ومكروه، وهو مشتق من اسم الله "السلام".
{أَجْرًا كَرِيمًا}: ثواب نقي من كل منغص، عظيم المقدار، لا يزول ولا يحول.
الإعراب والتركيب النحوي:
{تَحِيَّتُهُمْ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وهم ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ}: (يوم) ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بالمبتدأ أو بالخبر (سلام)، وجملة (يلقونه) في محل جر مضاف إليه، والواو فاعل والهاء مفعول به.
{سَلَامٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{وَأَعَدَّ لَهُمْ}: الواو عاطفة، أعد فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله، والجار والمجرور متعلق به.
{أَجْرًا كَرِيمًا}: مفعول به منصوب، و(كريماً) نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال الرحمة باللقاء والنعيم الخالد: ارتبطت الآية بسابقتها ارتباط التمام بالغاية؛ فإذا كان الله يخرجهم من الظلمات إلى النور برحمته في الدنيا، فإن مآل هذه الرحمة يتوج في الآخرة بأقدس لحظة ترنو إليها أفئدة المؤمنين؛ وهي يوم لقاء الله بالسلام والأمن المطلق، ثم الخلود في الأجر الكريم.
الأمن المطلق بنفي الآفات: إطلاق لفظ {سَلَامٌ} كخبر للتحية يفيد السلامة التامة المستغرقة من عذاب النار، ومن الفزع الأكبر، ومن الأحزان والأسقام والموت؛ فالجنة دار السلام المحض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إنكار رؤية الله ولقائه في الآخرة: تحاول الفرق المعطلة (كالمعتزلة والجهمية) تأويل قوله {يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ} بزعم أن "اللقاء" مجرد كناية عن ملاقاة الجزاء، منكرين رؤية المؤمنين لربهم في الجنة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
صراحة اللفظ ودلالة سياق التكريم: إضافة اللقاء إلى الضمير {يَلْقَوْنَهُ} يفيد المقابلة الشريفة ونيل القرب والرضوان؛ ولو كان مجرد ملاقاة الجزاء لما كان هناك وجه لتخصيص المؤمنين بالتحية والسلام؛ فالكافر يلقى جزاءه أيضاً ولكن باللعنة والعذاب، فدل على أن لقاء المؤمنين لقاء إكرام ونظر إلى وجه الله تعالى.
تواتر نصوص الرؤية القطعية: لقاء الله ورؤيته ثابتة بنصوص القرآن المحكمة المتظافرة كقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، وقوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} (والزيادة هي النظر إلى وجه الله كما فسرها النبي في صحيح مسلم)، والأحاديث في الرؤية بلغت حد التواتر القطعي الذي لا يدع مجالاً لتأويل مبتدع.
حقيقة الإنعام الأخروي: إن أعظم نعيم الجنة على الإطلاق الذي تتصاغر أمامه سائر اللذات هو سماع سلام الرب الرحيم والنظر إلى نوره؛ وهو مقتضى كمال الوعد الإلهي للمؤمنين.
الجملة الاسمية في (تحيتهم سلام): تفيد الثبوت والدوام والاستقرار؛ فالسلام لهم دائم أبدي لا ينقطع أبداً.
تنكير (سلام) وتنكير (أجراً كريماً): للتعظيم المطلق الذي تعجز الألفاظ عن استيعاب كنهه وحقيقته.
إسناد الإعداد إلى الله (وأعد لهم): تشريف عظيم للضيافة؛ فالكريم إذا أعد القرى بنفسه لخاصته فما ظنك بما أعده الملك الجليل لأحبابه؟
اللطائف التدبرية والإشارية:
السلام في الجنة ليس مجرد لفظ مجاملة، بل هو واقع حي يتغلغل في الذوات والأرواح؛ فتسلم الأجساد من الفناء، وتسلم القلوب من الحقد والحزن، وتسلم الأبدان من الأمراض، ويحل الرضوان الأبدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
بث الأمل والشوق إلى لقاء الله في نفوس المسلمين، لتهون عليهم مشاق التكليف وابتلاءات الدنيا الفانية.
إفشاء السلام في المجتمع كشعار إسلامي رفيع يربط أهل الأرض بنعيم أهل الجنة، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
العمل والوجدان الإيماني:
الشوق العظيم إلى يوم لقاء الله وسماع سلامه ورحمته؛ والاستعداد لهذا اليوم بالصالحات.