قال ابن جرير الطبري (20/191)مصدر غير محدد٢٠/١٩١: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله المكذبين بيوم الفتح، ودع مماراتهم ومناظرتهم بعد أن أقمت عليهم الحجة وبلغتهم الرسالة، وانتظر ما الله صانع بهم وما ينزل بهم من عذابه ونقمته ونصره إياك عليهم، إنهم منتظرون بك صروف الدهر وحوادث الزمان، فسينتظر كل فريق ما يحل بصاحبه، وسيرون لمن تكون العاقبة المحمودة والنصر المبين في الدنيا والآخرة».
ونقل ابن كثير (6/359)مصدر غير محدد٦/٣٥٩: «{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}: أي تول عن هؤلاء المشركين وبلغ ما أنزل إليك من ربك، {وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ}: أي انتظر وعد الله لك في نصره إياك وإظهار دينك وإعلاء كلمته، فإنهم منتظرون بك الدوائر والمكاره؛ كما قال تعالى: {قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ}، ففتح الله لنبيه مكة، وأظهر دينه، وأذل الشرك وأهله في الدنيا، وله ولأتباعه النصر التام في دار الآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
أَعْرِضْ: الإعراض هنا هو الانصراف عن لجاجهم وخصوماتهم العقيمة بالصفح الجميل والتوكل على الله، وليس ترك البلاغ.
انتَظِرْ: الانتظار: ترقب الشيء وتوقع حلوله، والانتظار من النبي صلى الله عليه وسلم هو ارتقاب وعد الله الصادق بالنصر، وانتظار الكفار هو ترقب موت النبي أو زوال دعوته بالظنون الكاذبة.
الإعراب والوجوه النحوية:
{فَأَعْرِضْ}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر، أعرض فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت.
{عَنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بأعرض.
{وَانتَظِرْ}: الواو عاطفة، انتظر فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت، ومفعوله محذوف تقديره (نصر الله وعذابه لهم).
{إِنَّهُم}: إن حرف توكيد ونصب، وهم ضمير متصل في محل نصب اسمها.
{مُّنتَظِرُونَ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة تعليلية للأمر بالانتظار أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع والختام المعجز لسورة السجدة:
وضعت هذه الآية الكريمة الختام الأكمل لمسار السورة العظيم؛ فبعد أن بدأت بإثبات الوحي {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ}، وعرضت خلق السماوات وتدبير الأمر من السماء إلى الأرض، وأطوار خلق الإنسان ونفخ الروح، وسفهت شبهات البعث، ورسمت مشهد الساجدين المتجافين عن المضاجع، ومآل الفاسقين في النار، والاعتبار بالقرون والزرع، واستعجالهم ليوم الفتح؛ ختمت بتحديد الموقف القيادي النهائي للنبي والمؤمنين:
الإعراض عن الجدل العقيم مع المتعنتين، وتفويض الأمر إلى الله، وانتظار نصر الله ويوم الفتح العادل بيقين راسخ لا يتزعزع.
التناسب بين فاتحة السورة وخاتمتها:
افتتحت السورة بـ {الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ}، وختمت بـ {وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ}؛ ليتلاقى نفي الريب في المطلع مع تمام اليقين بالفتح في المقطع؛ فالذي يملك هذا الكتاب الذي لا ريب فيه ينتظر نصر الله بثقة وطمأنينة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اليأس من تأخر النصر وشماتة الأعداء المؤقتة: قد يستطيل بعض المؤمنين زمن الابتلاء ويشعرون بالحزن لشماتة أهل الباطل وتربصهم بالدعوة والمسلمين.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
ترسي هذه الخاتمة القاعدة النفسية الكبرى للثبات والانتصار:
الإعراض عن استفزازات الباطل {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} يحفظ طاقة المصلح ويوجهها للبناء والعمل الإيجابي بدلاً من استنزافها في الردود والمناكفات.
صراع الحق والباطل له نهاية حتمية مضمونة الصدور: نصر الله المحتوم.
كلاهما في حالة انتظار وترقب: المؤمن ينتظر وعد ربه الصادق بالنصر والتمكين أو الشهادة، والكافر ينتظر بأوهامه صروف الدهر ليحل به الهلاك والخزي!
تصوير ثبات الكفار على ضلالهم وتربصهم الخبيث بالحق حتى تحل بهم الصاعقة بغتة وهم لا يشعرون.
التدبر الإشاري:
اليقين بالله يورث القلب هدوءاً وسكينة تامة؛ فالمؤمن الصابر لا يستعجل النتائج ولا يقلق من مكر الأعداء؛ لأنه يعلم أن خيوط الكون كلها بيد ربه المدبر الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، فما عليه إلا أن يؤدي واجبه وينتظر قضاء ربه بحسن ظن ورضى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
فقه الأولويات في العمل الدعوي؛ الإعراض عن المشاغبات السفسطائية والتركيز على البلاغ المبين وبناء أئمة الهدى الصابرين والموقنين.
التوجيه التربوي:
غرس فضيلة الصبر والأمل واليقين في نفوس الأجيال؛ ومحاربة مشاعر اليأس والإحباط عند اشتداد الأزمات.
التوجيه العملي:
عدم الانشغال بمهاترات المبطلين في منصات التواصل؛ ومواصلة العمل الإيجابي المثمر، والتوكل التام على الله.
الوجدان الإيماني:
الثقة المطلقة والسكينة العميقة بنصر الله، والراحة في كنف معيته، وختام السورة بملء القلب يقيناً بأن العاقبة المحمودة لأهل السجود والإخبات.