تفسير الشح وتنوع مظاهره: ينقل الطبري (ج 20، ص 224)مصدر غير محدد٢٠/٢٢٤ عن قتادة والسدي في قوله تعالى: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ}: الشح أشد البخل مع الحرص؛ وهم أشحة على المؤمنين بالمودة، وأشحة بالمعونة والنفقة في سبيل الله، وأشحة بالمشاركة في القتال، وأشحة في الغنائم إذا وضعت الحرب أوزارها يطالبون بنصيب الأسد.
تصوير حالة الجبن والهلع الميداني: يوضح ابن كثير (ج 6، ص 391)مصدر غير محدد٦/٣٩١ أن قوله: {رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}: تصوير لجبنهم وذعرهم عند اقتراب القتال ودعوة النبي إياهم إلى الثغور، فتطيش عقولهم وتتفرق حواسهم كالمحتضر الذي يعالج سكرات الموت فتدور حدقتاه في محجريهما حيرة وفزعاً.
انقلاب الحال عند زوال الخطر: يذكر القرطبي (ج 14، ص 153)مصدر غير محدد١٤/١٥٣ في تفسير {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}: السلق هو الضرب والأذى الشديد بالكلام واللسان، والحداد جمع حديد أي قاطع ماض؛ فإذا انتصر المسلمون وسلمت الغنائم تبجحوا وادعوا الشجاعة والفضل وقالوا: "أعطونا من الغنائم فلولا نحن ما نصرتم"، وضربوكم بحدة ألسنتهم في المن والافتخار؛ ونقل عن ابن عباس: "سلقوكم أي ضنوكم وأذوكم في قسمة الغنيمة".
حكم الإحباط وقرار الردة الباطنة: يقرر السعدي (ص 660)مصدر غير محدد٦٦٠ أن قوله {أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ}: تصريح إلهي قاطع بأن هؤلاء منسلخون من الإيمان الحقيقي، وإنما كانت أعمالهم الظاهرة صورية جوفاء، فأحبط الله أجرها لفساد النية والردة الخفية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{أَشِحَّةً}: جمع شحيح، وهو الحريص على المنع والبخل بما لديه وبما لدى غيره؛ والشح قرين الهوى المردي.
{يُغْشَىٰ}: الغشيان هو التغطية؛ وغشي عليه أي غطي على عقله وحواسه من شدة هول الموت وسكراته.
{سَلَقُوكُم}: السلق في الأصل البسط بالأذى، وسلقه بلسانه: خاطبه بكلام عنيف جارح قاطع كالسكين، ومنه سلق البيض واللحم بالماء الحار.
{حِدَادٍ}: جمع حديد، أي صقيل قاطع نافذ.
الإعراب والتركيب النحوي:
{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ}: حال منصوبة من فاعل (يأتون) في الآية السابقة أو فاعل (القائلين)، و(عليكم) متعلق بأشحة وتضمينه معنى البخل بالمودة والنصرة.
{فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ}: الفاء عاطفة تفريعية، (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، وجملة (جاء الخوف) في محل جر مضاف إليه.
{رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ}: جواب الشرط لا محل له، (رأيتهم) فعل ماض وفاعله ومفعوله، وجملة (ينظرون) حال من المفعول أو مفعول ثان إن كانت الرؤية قلبية، والجار والمجرور متعلق بينظرون.
{فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم}: ظرف وجوابه، وسلقوكم فعل وفاعل ومفعول.
{بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ}: جار ومجرور متعلق بسلقوكم، و(حداد) نعت، و(أشحة) حال ثانية من فاعل سلقوكم، و(على الخير) متعلق بأشحة (والخير هنا الغنيمة والمال).
{أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ}: اسم إشارة مبتدأ، وجملة لم يؤمنوا خبره، والفاء سببية عاطفة، وأحبط الله أعمالهم فعل وفاعل ومفعول، وجملة {وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} مستأنفة تذييلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرسم النفسي والجسدي الدقيق لتقلبات المنافق: تعتبر هذه الآية من أعظم لوحات التحليل النفسي الإلهي في القرآن؛ حيث قسمت سلوك المنافق إلى حالتين متعاكستين:
حال الخطر والحرب: جبن مطبق، ذهول عقلي، دوران في الحدق، وشلل في التفكير كالمحتضر.
حال الأمان والغنائم: وقاحة لسانية، شراسة في المطالبة بالحقوق، ادعاء البطولة، وضرب المؤمنين بحد الكلام.
التكرار النظمي للفظ (أشحة): افتتح المقطع بـ {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} وختم تفصيل السلوك بـ {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ}؛ ليحكم الطوق البلاغي حولهم، مبيناً أن الشح والبخل هو الجوهر الثابت في شخصيتهم سواء كان في بذل النفس والجهد أو في التنافس على حطام الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إحباط الأعمال لمن شهد الخندق مع النبي صلى الله عليه وسلم: يقول قائل: ألم يشارك هؤلاء بأجسادهم وحفروا وتكلفوا المشقة، فكيف يحكم القرآن بإحباط أعمالهم جملة واحدة وتجريدهم من أصل الإيمان؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
شرط قبول العمل هو الإخلاص والإيمان الصحيح؛ والآية قطعت بـ {أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا}؛ فأعمالهم وإن راجت في أعين الناس كانت قائمة على الشك والنفاق وحب استئصال المسلمين، والنفاق الأكبر مفسد لكل عمل ومحبط له بالإجماع.
إن العمل الذي يخالطه الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وبث الفتنة والارتداد النفسي عند الشدة لا يسمى طاعة أصلاً، بل هو كيد وخداع لله ورسوله؛ وحكم الله بإحباطه هو مقتضى العدل الإلهي الصارم.
قوله تعالى {وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} رد على من يستعظم إحباط جهدهم؛ فالله تعالى غني عن العالمين ولا تنفعه مظاهر النفاق، وإبطال حسنات المنافقين هين يسير على الله لا معقب لحكمه فيه.
التشبيه التمثيلي الحركي البديع: {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}؛ تشبيه لحركة الحدقة المضطربة المرعوبة بحال المحتضر الذي أظلمت الدنيا في عينيه؛ وهو تشبيه مركب ينقل للمشاهد رعب المنافق الجبان بصورة حسية مذهلة.
الاستعارة التصريحية أو المكنية في (سلقوكم): استعارة لفظ السلق (وهو إحراق الجلد بالماء الحار أو جلده) للكلام الجارح؛ لتصوير شدة إيذائهم ووقاحتهم اللفظية.
الطباق المقابل: بين {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ} و{فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ}، وبين ذهول الألسن وصمتها بالخوف أولاً واستطالتها بالحديد والحدة ثانياً.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الشحيح محروم من بركة الحياة؛ فهو بخيل بجهده ونفسه في أوقات الشدة، حريص على المكاسب والمال في أوقات الرخاء، وقد طبع الله على قلبه بالخسران.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
الحذر من أصحاب "الألسنة الحداد" الذين يجيدون الكلام والتنظير والاعتراض بعد انتهاء الأزمات، في حين كانوا غائبين تماماً عن الميدان وقت التضحية والبذل.
تربية النفس على الاتزان والتجرد؛ فالصادق يظهر صدقه في بذل روحه وماله في الشدة، وتواضعه وزهده في الغنائم والمدائح في الرخاء.
العمل والوجدان الإيماني:
تطهير القلب من شح النفس، والتعوذ الدائم بالنبي صلى الله عليه وسلم من الجبن والبخل والشح: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ».
مراقبة نية العمل خوفاً من حبوط الحسنات؛ فكم من عمل عظيم أفسده الرياء وضعف اليقين.