تخصيص التسبيح وأوقات الفضيلة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 287)جامع البيانالطبري٢٠/٢٨٧ وابن كثير (ج 6، ص 418)مصدر غير محدد٦/٤١٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن قوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}: تخصيص بعد تعميم؛ فبعد أن أمر بالذكر الكثير عموماً في الآية السابقة، خصص التسبيح (وهو تنزيه الله عن كل نقص وعيب) في هذين الوقتين الشريفين: البكرة (أول النهار بعد صلاة الفجر) والأصيل (آخر النهار بعد صلاة العصر إلى الغروب)؛ لشرف هذين الوقتين بتعاقب ملائكة الليل وملائكة النهار، ولشهودهما انتقال الليل إلى النهار والنهار إلى الليل.
تفسير التسبيح بالصلاة المكتوبة: ينقل القرطبي (ج 14، ص 189)مصدر غير محدد١٤/١٨٩ عن الضحاك والحسن، أن التسبيح هنا يشمل صلاتي الصبح والعصر، وقيل: صلاة الفجر والصلوات المسائية، لأن الصلاة تسمى تسبيحاً؛ والأرجح استيعابه للتسبيح اللساني والصلاة المفروضة معاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{سَبِّحُوهُ}: التسبيح التنزيه والتقديس وتبرئة ساحة الربوبية عن كل ما لا يليق بها من الشريك والنقص والظلم؛ وأصله في اللغة المرور السريع والسباحة في الماء.
{بُكْرَةً}: أول النهار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
{أَصِيلًا}: وقت اصفرار الشمس إلى غروبها، وهو نهاية النهار وبداية إقبال الليل؛ وجمعه أصائل وأُصُل.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَسَبِّحُوهُ}: الواو عاطفة، فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
{بُكْرَةً}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ (سبحوه).
{وَأَصِيلًا}: معطوف على (بكرة) منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عطف الخاص على العام لبيان الفضل: عطف التسبيح في هذين الوقتين {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} على مطلق الذكر الكثير {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}؛ أسلوب بلاغي قرآني للتنبيه على عظم شأن التسبيح كأشرف أنواع الذكر، وعظم شأن طرفي النهار في شحن الروح بنور العبودية.
افتتاح النهار واختتامه بالتقديس: النظم يدعو المسلم ليبدأ يومه بتنزيه ربه وشكره، ويختم يومه بتنزيهه والاستغفار؛ فيكون نهاره كله محفوفاً بالبركة ومحفوظاً من الزلل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تقييد التسبيح بوقتين ينافي الأمر بالذكر الكثير المطلق: قد يسأل سائل: كيف أمر بالذكر الكثير في كل وقت، ثم قال: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} مما يوحي بحصر التسبيح في طرفي النهار فقط؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
قواعد البلاغة في ذكر الخاص: ذكر بعض أفراد العام بحكم خاص لا يقتضي نفي سائر الأفراد؛ وإنما يدل على زيادة الاعتناء والمزية للشرف؛ فالتسبيح مطلوب في كل وقت، لكنه في البكرة والأصيل آكد وأعظم أجراً.
الكناية بالطرفين عن استيعاب اليوم كله: العرب تذكر الطرفين وتريد ما بينهما؛ فقولك: "أنا أخدمك صباحاً ومساءً" كناية عن استمرار الخدمة في سائر الأوقات، فالبكرة والأصيل يمثلان قطبي اليوم فكأنه قال: سبحوه دائماً.
تعاقب الملائكة في هذين الوقتين: ثبت في الصحيحين أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرجون إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم: "كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون"؛ فتخصيص الوقتين للتوافق مع المشهد الملائكي العظيم.