تخصيص البشارة للمؤمنين وتفصيل الفضل الكبير: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 296)جامع البيانالطبري٢٠/٢٩٦ وابن كثير (ج 6، ص 420)مصدر غير محدد٦/٤٢٠ عن مجاهد وقتادة، أن الله تعالى لما وصف نبيه في الآيتين السابقتين بأنه مبشر ونذير وسراج منير، أمره هنا مباشرة بالبشارة الخاصة بأهل الإيمان؛ وهي أن لهم عند الله فضلًا كبيراً لا تحيط به العبارة؛ يشمل النصر والتأييد والحياة الطيبة في الدنيا، والمغفرة والرضوان والخلود في الفردوس الأعلى في الآخرة، ورؤية وجه الله الكريم.
بيان السعدي وابن عاشور لعظمة الفضل: يوضح السعدي (ص 667)مصدر غير محدد٦٦٧ أن "الفضل" هو العطاء الزائد على مجرد الجزاء المستحق بالعمل؛ فالمؤمن لا يدخل الجنة بمجرد عمله، بل بفضل الله ورحمته، وهذا الفضل وصف بالكبير ليدل على سعته وعظمته وتجاوزه لكل التوقعات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{بَشِّرِ}: التبشير نقل الخبر المفرح الذي يسر القلب وتتهلل له الأسارير.
{فَضْلًا}: الفضل في اللغة الزيادة والخير والإنعام والتفضل بلا عوض.
{كَبِيرًا}: وصف للفضل بالاتساع والعظمة والجلالة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَبَشِّرِ}: الواو عاطفة على (أرسلناك) أو استئنافية للتفريع، فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{الْمُؤْمِنِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}: الباء حرف جر، (أنّ) حرف توكيد ونصب ومصدرية، و(لهم) جار ومجرور خبر أن مقدم، و(من الله) متعلق بحال من فضلاً، و(فضلاً) اسم أن مؤخر منصوب بالفتحة، و(كبيراً) نعت منصوب، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ (بشر).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفعيل الوظيفة النبوية عملياً: بعد أن عُرف النبي بصفة {مُبَشِّرًا} في الآية (45)، جاء الأمر الصريح المباشر بتنفيذ هذه البشارة: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}؛ ليعلم النبي وتعلم الأمة أن البشارة منهج أصيل في تربية القلوب ودفعها نحو العمل والتضحية؛ فالإنسان ينشط ويستبسل إذا علم عظم الفضل المدخر له.
إسناد الفضل إلى الله: قوله {مِّنَ اللَّهِ} يربط العطاء بمصدر الجود المطلق؛ فإذا كان الفضل من الله ملك الملوك فلا تسأل عن كماله وسعته وخلوده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاتكال على الفضل وترك العمل الصالح: يزعم بعض الجاهلين أن التبشير بالفضل الكبير الزائد على العمل قد يورث الكسل والتواكل وترك الفرائض اعتماداً على الفضل والرحمة.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
تقييد البشارة بوصف الإيمان: الآية قيدت المستحقين للفضل بـ {الْمُؤْمِنِينَ}؛ والإيمان في لغة الشرع وحقيقته ليس أمنية مجردة، بل هو ما وقر في القلب وصدقه العمل الصالح كما نصت الآية (35) آنفاً؛ فالكسول المعطل ليس مؤمناً حقيقياً يستحق هذا الفضل التام.
الفضل حافز لمزيد من البذل: في علم النفس السلوكي والتربوي، معرفة العامل بكرم سيده وأنه يعطي فوق المستحق بآلاف المرات لا تورث الكسل، بل تملأ قلبه حياءً ومحبة وتدفعه إلى مضاعفة الجهد إرضاءً لهذا المحسن الجليل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: أتتعب نفسك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً؟».
التوازن مع الآية التالية: أتبع الله هذه البشارة بالأمر بالصبر ومواجهة الأعداء والجهاد في الآية (48)، مما يثبت أن الفضل دافع للثبات في ميادين التضحية لا للهروب منها.