رفع الحرج عن النبي في تشريع النكاح والوحي: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 278)جامع البيانالطبري٢٠/٢٧٨ وابن كثير (ج 6، ص 414)مصدر غير محدد٦/٤١٤ عن قتادة ومجاهد، أن الآية نزلت لدفع ما أرجف به المنافقون وطعنوا به في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج زينب بنت جحش بعد زيد بن حارثة؛ فأخبر الله تعالى أنه لا ضيق ولا إثم ولا ملامة على النبي صلى الله عليه وسلم فيما أحل الله وقدره له وفرضه من الزواج بزينب لبيان التشريع وإسقاط التبني؛ فالله هو الذي أمره بذلك وفرضه عليه.
تفسير سنة الله في النبيين السابقين: يوضح القرطبي (ج 14، ص 184)مصدر غير محدد١٤/١٨٤ أن قوله: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ}: أي هذه طريقة الله وسنته المطردة في أنبيائه ورسله السابقين (كداود وسليمان وإبراهيم عليهم السلام)؛ حيث وسع الله عليهم في النكاح وأحل لهم ما شاء لحكم ومصالح نبوية وتشريعية، ولم يكن ذلك بدعاً من الرسل؛ فلم يعترض أحد على كثرة نساء داود وسليمان، فكيف يعترضون على خاتم النبيين في أمر أحله الله له لحكمة تشريعية عامة؟
تفسير {قَدَرًا مَّقْدُورًا}: يقرر السعدي (ص 666)مصدر غير محدد٦٦٦ أن أمر الله وقضاؤه محتوم مقدور في الأزل، لا مرد له ولا معقب لحكمه؛ فزواج النبي من زينب كان قدراً مسطوراً في اللوح المحفوظ لابد من نفاذه لكسر قيود الجاهلية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{حَرَجٍ}: الحرج في الأصل الضيق ومجتمع الشجر الملتف الذي يعسر النفاذ منه؛ والمراد هنا الإثم والذنب والمؤاخذة.
{فَرَضَ}: الفرض هنا بمعنى أحل وقدر وقسم وأوجب بمقتضى حكمته.
{سُنَّةَ}: السنة هي الطريقة المتبعة والمسلك المطرد؛ وسنة الله حكمه وتدبيره في خلقه.
{قَدَرًا مَّقْدُورًا}: القدر هو التقدير الإلهي، والمقدور المحتوم النافذ الذي لا يتخلف.
الإعراب والتركيب النحوي:
{مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ}: (ما) نافية، (كان) فعل ماض ناقص، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر كان مقدم.
{مِنْ حَرَجٍ}: (من) حرف جر زائد لاستغراق النفي وتوكيده، و(حرج) مجرور لفظاً مرفوع محلاً اسم كان مؤخر.
{سُنَّةَ اللَّهِ}: مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره: سن الله ذلك سنة، وهو مضاف واسم الجلالة مضاف إليه.
{فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لسنة الله، وجملة خلوا صلة الموصول، و(من قبل) مبني على الضم في محل جر متعلق بخلوا.
{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا}: الواو تذييلية، كان واسمها وخبرها الأول (قدراً)، و(مقدوراً) نعت لقدراً أو خبر ثان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسناد التشريع للقدر الإلهي المطلق وتبرئة المقام النبوي: بعد أن بينت الآية السابقة تفاصيل زواج النبي بزينب بنص {زَوْجْنَاكَهَا}، جاءت هذه الآية لتنزع أي حرج نفسي أو اجتماعي قد يخالج الصدور؛ فقررت بأسلوب حاسم أن النبي ليس خاضعاً لأهواء العوام وأعراف البيئات، بل هو منفذ لأمر مفروض محتوم من ربه، وهو في ذلك سائر على سنن إخوانه من الأنبياء الأقدمين.
التوازن بين السنن الماضية والقدر النافذ: ربط النظم بين تاريخ النبوات الطويل {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} وبين القضاء والقدر الأزلي {قَدَرًا مَّقْدُورًا}؛ ليبرهن على أن الحدث ليس طفرة عارضة بل هو جزء من تدبير كوني وتاريخي محكم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طعن المستشرقين في كثرة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: يستغل أعداء الإسلام زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب وغيرها من أمهات المؤمنين لاتهامه بالشهوانية.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
التاريخ والواقع ينسفان الشبهة: ظل النبي صلى الله عليه وسلم من سن الخامسة والعشرين إلى الخمسين (ذروة فوران الشباب الغريزي) مقتصراً على زوجة واحدة وهي السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت تكبره بخمسة عشر عاماً، ولم يجمع غيرها معها قط حتى ماتت؛ فهل يعقل في منطق الطبائع البشرية أن يتحول الرجل الزاهد العفيف في شبابه إلى الشهوانية بعد الخمسين وهو يخوض الحروب ويدير شؤون الدولة والوحي؟ هذا تناقض عقلي ظاهر.
كل زواج كان لحكمة تشريعية أو سياسية أو دعوية: فزواجه من عائشة كان توثيقاً للصلة بالصديق، ومن حفصة بعمر، ومن أم حبيبة تأليفاً لأبي سفيان وقومه، ومن جويرية وصفية إعتاقاً لقبيلتيهما وإسلاماً لقومهما، ومن زينب لإبطال عادة التبني الجاهلية بحكم عملي قاطع؛ فكانت الزيجات تكاليف رسالية وليست استجابة لرغبات ذاتية.
سنة الأنبياء الكرام: ذكر القرآن أن الأنبياء قبله وسع الله عليهم في النكاح، فكان لداود مائة امرأة ولسليمان سبعمائة امرأة وثلثمائة سرية كما تقر بذلك كتب العهد القديم التي يقدسها من يثيرون الشبهة؛ فكيف ينكرون على نبي الإسلام ما يقرون به لأنبيائهم؟