الحكم القضائي والجزائي على المرجفين المصرين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 335)جامع البيانالطبري٢٠/٣٣٥ وابن كثير (ج 6، ص 448)مصدر غير محدد٦/٤٤٨ عن قتادة والضحاك والسدي، أن المعنى: إن لم ينته هؤلاء المنافقون والمرجفون عن أذاهم وإفسادهم، سلطك الله عليهم فأجلاهم عن المدينة ملعونين مطرودين مبعدين من رحمة الله، أينما وُجدوا وأُدركوا أُخذوا وقُتلوا تقتيلاً؛ لأنهم محاربون لله ورسوله ناقضون للعهد ساعون في الأرض بالفساد؛ فلا حرمة لدمائهم إذا جاهروا بالعدوان والخيانة العظمى.
تفسير الثقف والتقتيل: يوضح القرطبي (ج 14، ص 248)مصدر غير محدد١٤/٢٤٨ أن "الثقف" هو الظفر بالشيء ووجدان العدو بعد البحث والتتبع؛ وصيغة التفعيل في {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} تفيد التشديد والكثرة في الاستئصال لردع كل من تسول له نفسه زعزعة أمن الدولة الإسلامية من الداخل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مَّلْعُونِينَ}: اللعن الطرد والإبعاد من الرحمة والصيانة؛ وهم مطرودون من حماية القانون الشرعي والأمان.
{ثُقِفُوا}: ثَقِفَ الرجل إذا ظفر به وأدركه بعد طلب وتتبع محكم؛ وثقيف اللسان الماهر الحاذق.
{أُخِذُوا}: الأخذ هو الأسر والقبض التام المحكم عليهم بالأيدي والحبال.
{مَّلْعُونِينَ}: حال منصوبة بالياء من الضمير في (يجاورونك) أو في (بهم) في الآية السابقة، أو منصوب على الذم بفعل محذوف تقديره (أذمهم ملعونين).
{أَيْنَمَا ثُقِفُوا}: (أينما) اسم شرط جازم للمكان خافض لشرطه متعلق بالجواب، (ثقفوا) فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، والواو نائب فاعل.
{أُخِذُوا}: فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل، وهو جواب الشرط لا محل له.
{وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}: عطف على أخذوا، ونائب فاعل، و(تقتيلاً) مفعول مطلق مؤكد لعامله منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسدال الستار على مصير الخيانة والتآمر: ترتبط الآية بسابقتها ارتباط الجزاء بالشرط؛ فالمجاورة اليسيرة في الآية (60) تعقبها المطاردة الأمنية واللعنة والاستئصال في الآية (61)؛ فلا يجد الخائن المرجف ملاذاً آمناً في الأرض بعد أن سقطت عنه حصانة العهد ونزل به حكم الله العادل.
التطابق الصوتي والإيقاعي الصارم: تنتهي الفاصلة بـ {تَقْتِيلًا} بصوت القاف والتاء المكررة والمد واللام، مما يعطي جرساً مهيباً يناسب الصدع بالحكم العسكري الرادع للمفسدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القسوة في القتل والمطاردة: يثير المغرضون شبهة القسوة في قوله {أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}، زاعمين تعارضها مع سماحة الإسلام.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الحكم القضائي على المحاربين الخونة: هذا الحكم ليس للمواطنين الآمنين ولا للمخالفين في الرأي، بل هو حكم على "عصابة مسلحة محاربة" خائنة مصرة على الطعن في ظهور المقاتلين وإعانة جيوش الأعداء وإسقاط الدولة؛ وعقوبة مثل هذه الفئة في كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية هي الاستئصال والقتل الرادع لحماية حياة ملايين الأبرياء.
الرحمة الحقيقية هي حماية المجتمع: إن التسامح والتهاون مع الجواسيس والمرجفين وخونة الأوطان ليس رحمة، بل هو جريمة بحق المجتمع كله، واستئصال هذه الرؤوس الفاسدة يطهر البيئة ويحقن دماء عامة الناس.
حكمة الشريعة في الردع: مجرد إعلان هذا التهديد الرادع في القرآن جعل المنافقين يرتعدون وينكفون عن إرجافهم، فلم يقع القتل المذكور إلا نادراً، فكان الوعيد بذاته حاقناً للدماء ومانعاً للفتنة.
العموم والاستيعاب المكاني في (أينما): لقطع كل أمل في الإفلات من قبضة العدالة؛ فلا حدود ولا حصون تحمي الخائن من حكم الله.
صيغة التفعيل في (قُتّلوا تقتيلاً): للمبالغة في الزجر والردع الشديد لمن يفكر في خيانة دينه وأمته.
بناء الأفعال للمجهول (ثقفوا، أخذوا، قتلوا): للإشعار بأن هذا الحكم ينفذه أي فرد من أفراد الأمة والجيش بتفويض من الإمام؛ فصاروا مهدرين مباحي الدم في كل مكان.
اللطائف التدبرية والإشارية:
عاقبة النفاق والخيانة هي اللعنة والذلة؛ فمن خان الله ورسوله وباع وطنه لأعدائه لم يظفر إلا بالمطاردة والمهانة ونهاية السوء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
إرساء هيبة الدولة وسلطان القانون والشرع في حماية أمن الأمة الداخلي؛ فالضعف في محاسبة الخونة يغري الأعداء بالاستباحة.
توعية الجيل بحرمة خيانة الأوطان والتعاون مع الأعداء ضد المسلمين؛ وأن ذلك من أشنع الموبقات المهلكة في الدنيا والآخرة.
العمل والوجدان الإيماني:
الاستعاذة بالله من النفاق وأهله واللعنة والطرد من رحمته.
تجديد الولاء لله ورسوله وللمؤمنين، والبراءة التامة من المنافقين والمرجفين.