سياق النزول ورقابة الله لخواطر الصدور: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 319)جامع البيانالطبري٢٠/٣١٩ وابن كثير (ج 6، ص 434)مصدر غير محدد٦/٤٣٤ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، أن رجلاً من المنافقين (وقيل: قالها رجل في نفسه قبل أن يستقر حكم التحريم) قال لما نزلت آية الحجاب: "أيحجبنا محمد عن بنات عمه، والله إن مات لأتزوجن فلانة (يعنون عائشة أو غيرها من أمهات المؤمنين)!"، فأنزل الله تحريم ذلك في الآية السابقة: {وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا}، ثم أتبعها بهذه الآية محذراً ومنذراً: {إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}؛ أي إن تتكلموا بشيء من ذلك بألسنتكم أو تضمروا في صدوركم تمنياً لنكاحهن أو أذية لرسوله، فإن الله مطلع على سرائركم ومجازيكم عليها بأشد العقاب.
عموم اللفظ وحكم المراقبة: يقرر القرطبي (ج 14، ص 231)مصدر غير محدد١٤/٢٣١ والسعدي (ص 670)مصدر غير محدد٦٧٠ أن الآية وإن نزلت بخصوص تلك الخواطر، إلا أن لفظها عام كلي يشمل كل ما يبديه الإنسان من الأقوال والأفعال، وكل ما يخفيه في أعماق قلبه من النيات والمقاصد والشهوات؛ فالله محيط بكل شيء عليم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{تُبْدُوا}: الإبداء هو الإظهار والكشف باللسان أو الجوارح.
{تُخْفُوهُ}: الإخفاء هو الستر والكتمان في زوايا النفس والصدر.
{شَيْئًا}: نكرة في سياق الشرط تفيد الاستغراق والعموم لأي خاطر أو عمل صغر أو كبر.
{أَوْ تُخْفُوهُ}: عطف على فعل الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل والهاء مفعول به.
{فَإِنَّ اللَّهَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن واسمها منصوب.
{كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}: جملة في محل رفع خبر إن، وكان واسمها مستتر، وبكل شيء متعلق بعليماً، و(عليماً) خبر كان منصوب، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
إرساء الرقابة الباطنة بعد التشريع الظاهر: بعد أن قررت الآية السابقة حدوداً وأحكاماً صارمة (الحجاب، عدم إيذاء الرسول، تحريم نكاح أزواجه أبداً)، جاءت هذه الآية لتضع الوازع الداخلي في القلوب؛ فالإنسان قد يلتزم بالظاهر رياءً أو خوفاً، لكن الله تعالى يراقب الخواطر والسرائر التي لا يطلع عليها أحد من البشر، فيتحول الالتزام إلى تقوى ذاتية حية.
التقابل التام بين الإبداء والإخفاء: استعمل النظم الطباق بين {تُبْدُوا} و{تُخْفُوهُ} ليربط شطري الوجود الإنساني (الظاهر والباطن) بعلم الله المحيط؛ فلا مفر للمرء من الرقابة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة المؤاخذة على مجرد خواطر النفوس المعفو عنها في الحديث: يثير بعضهم إشكالاً: ثبت في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ»، فكيف تحذر الآية من إخفاء الشيء في النفس؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
التفرقة بين حديث النفس العارض والهم المستقر: المعفو عنه في الحديث هو الخاطر الطارئ والوسواس العابر الذي يدفعه العبد ولا يستقر في قلبه؛ أما ما تحذر منه الآية فهو الإصرار القلبي والعزم المصمم والنية المبيتة على الأذى والنفاق والمعصية؛ وهذا الإصرار الباطن كسب قلبي يؤاخذ عليه العبد باتفاق العلماء: {وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}.
الإخبار بالعلم لا يلزم منه التعذيب المجرد: الآية تخبر بإحاطة علم الله بالخفيات {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}؛ وهو تقرير لصفة كماله المطلق؛ واستشعار هذا العلم يورث الحياء والتقوى، وهو دافع لتنقية القلوب قبل أن تتحول الخواطر إلى أفعال وأقوال مهلكة.
حرمة مقام النبوة تستلزم صيانة البواطن: التعرض لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمر في غاية الخطورة؛ فكان لابد من قطع دابره في عالم الأفكار والنيات قبل أن يظهر إلى حيز الكلام.