حظر التزوج بغيرهن تكريماً لأمهات المؤمنين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 311)جامع البيانالطبري٢٠/٣١١ وابن كثير (ج 6، ص 428)مصدر غير محدد٦/٤٢٨ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة على زينة الدنيا في آية التخيير (28 و29)، شكرهن الله تعالى على هذا الموقف الإيماني العظيم، وجازاهن بأن حرم على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عليهن بغيرهن من النساء، ولا أن يطلقهن ليبدلهن بغيرهن ولو أعجبه حسنهن؛ فصارت نساؤه التسع محظيات بهذا الشرف الأبدي أزواجاً له في الدنيا والآخرة.
مسألة نسخ الحظر: يذكر القرطبي (ج 14، ص 214)مصدر غير محدد١٤/٢١٤صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أُحل له النساء"، وفي رواية الترمذي بإسناد صحيح، مما جعل بعض أهل العلم (كالجمهور) يرون أن هذا الحظر كان تكريماً لهن ثم نسخ الله الحظر وأحل له سائر النساء رخصة، ولم يتزوج بعدهن صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: الآية محكمة لم تنسخ، ومات ولم يتزوج عليهن إكراماً لهن؛ والأول هو المروي عن عائشة، والثاني قول ابن عباس ومجاهد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{تَبَدَّلَ}: التبدل هو الاستبدال، أي تطلق امرأة لتتزوج بدلها أخرى؛ وأصله من البدل.
{أَعْجَبَكَ}: الإعجاب استحسان الشيء وميل النفس إليه بالجمال والعفة.
{حُسْنُهُنَّ}: الحسن الجمال الظاهر والباطن في الهيئة والأخلاق.
{رَّقِيبًا}: الرقيب هو الحفيظ المطلع على كل حركة وسكنة وضمير، لا يعزب عنه مثقال ذرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المكافأة الإلهية بالوفاء المتبادل: النظم يظهر قمة الوفاء والعدل الرباني؛ فأمهات المؤمنين حين وُضعن على المحك في آية التخيير وفضلن رسول الله على زخرف الدنيا، كافأهن الله بهذا القيد التشريعي الصارم: ألا تُطلق واحدة منهن، وألا يُتزوج عليها بامرأة جديدة؛ ليطمئن قلوبهن ويثبت أمانهن الأسري إلى الأبد.
التوازن بين المنع والرخصة في ملك اليمين: استثنى النظم ما ملكت يمينه {إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} للمحافظة على التيسير في الإماء دون المساس بمكانة الزوجات الأحرار أمهات المؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قوله {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} وأنه يخدش الحياء النبوي: يزعم بعض الطاعنين أن ذكر إعجاب النبي بحسن النساء في القرآن يتنافى مع مقامه الشريف.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الإعجاب الفطري بالجمال طبع بشري مشروع: إعجاب الرجل بجمال المرأة عند إرادة الزواج أمر فطري مباح ومشروع في الشريعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة حين خطب امرأة: «انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (رواه الترمذي والنسائي)؛ والجمال نعمة من خلق الله، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر يتذوق الحسن المشروع لا العشق المحرم.
صيغة المبالغة والفرض لتقرير النهي: التعبير بـ {وَلَوْ أَعْجَبَكَ} أسلوب عربي قرآني رصين للمبالغة في الامتثال وفرض أعلى مراتب الجاذبية؛ أي حتى لو فرض وجود امرأة بالغة الذروة في الحسن والجمال فلن تحل لك ولن تبدل بها زوجاتك الصابرات وفاءً لهن؛ فالمقصود إعلاء شأن الوفاء لأمهات المؤمنين فوق كل مغريات الجمال الدنيوي.
كمال العفة والضبط: الآية برهان ساطع على ضبط النفس النبوي وامتثاله التام لحكم ربه، حيث قيد حريته تكريماً لنسائه ووفاءً لمواقفهن.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
البلاغة والبيان:
جملة الوصل الاحتراسية (ولو أعجبك حسنهن): لإبراز صلابة الالتزام بالوفاء؛ فالعهد مع الصابرات لا تنقضه فتن الجمال ومغريات الحياة.
التذييل باسمه (الرقيب): {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا}؛ للدلالة على أن الله مطلع على حركة العيون وخواطر القلوب، فالمراقبة لله هي سياج التقوى.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الجزاء من جنس العمل؛ من آثر الله في شبابه وفقره ومحنته كافأه الله بالأمان والخلود وحفظ العهد في عزه وتمكينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ خلق "الوفاء الزوجي" في المجتمع؛ فالزوج الصالح هو الذي يحفظ لزوجته صبرها ومواقفها في أوقات الشدة، ولا يتنكر لفضلها إذا فتحت عليه الدنيا.
تقدير مكانة أمهات المؤمنين التسع اللاتي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن في عصمته؛ واعتقاد فضلهن وكمالهن رضي الله عنهن وأرضاهن.
العمل والوجدان الإيماني:
استشعار رقابة الله الدائمة؛ واستحضار اسمه "الرقيب" في كل قول ونظرة وخاطرة.