أعظم مراتب التشريف الإلهي للنبي الخاتم: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 323)جامع البيانالطبري٢٠/٣٢٣ وابن كثير (ج 6، ص 436)مصدر غير محدد٦/٤٣٦ عن ابن عباس وأبي العالية في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}: أن صلاة الله تعالى على نبيه هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين وتعظيمه ورفع ذكره وإفاضة الرحمات عليه؛ وصلاة الملائكة هي الدعاء له بالبركة وعلو الدرجات والاستغفار؛ ثم أمر الله أهل الأرض من المؤمنين بالصلاة والتسليم عليه ليتوافق في حقه ثناء أهل السماء وثناء أهل الأرض جميعاً.
بيان كيفية الصلاة عليه في السنة النبوية الصحيحة: يروي البخاري في "صحيحه" (رقم 4797 و6357) ومسلم (رقم 405)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٥ عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
فضل الصلاة عليه وحكمها: يجمع أئمة أهل السنة على فرضية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة، واختلفوا في وجوبها في التشهد الأخير في الصلاة (وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل والظاهرية)، وتتأكد عند ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (رواه الترمذي وصححه)، وروى مسلم (رقم 384)مصدر غير محددحديث رقم ٣٨٤ عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يُصَلُّونَ}: صيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار والدوام في الصلاة والثناء والرحمة.
{سَلِّمُوا}: السلام هو التحية بالسلامة والأمان والدعاء له بالسلامة من كل مكروه، والانقياد التام لأمره وشريعته.
{تَسْلِيمًا}: مفعول مطلق مؤكد لعامله يفيد الانقياد المطلق والتحية التامة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{إِنَّ اللَّهَ}: (إن) حرف توكيد ونصب، واسم الجلالة اسمها منصوب بالفتحة.
{وَمَلَائِكَتَهُ}: الواو عاطفة، (ملائكته) معطوف على اسم الجلالة منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{يُصَلُّونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة يصّلون في محل رفع خبر إن.
{صَلُّوا عَلَيْهِ}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجار والمجرور متعلق به.
{وَسَلِّمُوا}: معطوف على صلوا مبني على حذف النون.
{تَسْلِيمًا}: مفعول مطلق مؤكد لعامله منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التكريم النبوي بعد تفصيل الأحكام والحجاب: النظم ينتقل نقلة كونية مهيبة؛ فبعد أن أمرهم الله بآداب التعامل مع بيت النبوة، وعدم إيذاء الرسول في الآية (53)، كشف الله تعالى للأمة عن الحقيقة العلوية الكبرى التي تحيط بهذا النبي الكريم؛ فالله بنفسه العلية وملائكته المقربون في صلاة دائمة وثناء مستمر عليه، فكان من أوجب الواجبات على المؤمنين الذين أنقذهم الله به من الظلمات إلى النور أن يلهجوا بالصلاة والسلام عليه في كل وقت وحين.
الجمع بين الصلاة والسلام والتأكيد بالمصدر: جمع النظم بين الصلاة (طلب الثناء والرحمة والبركة) والسلام (طلب الأمان والانقياد لحكمه)؛ وأكد التسليم بالمصدر {تَسْلِيمًا} لإبراز وجوب التسليم التام لسنته وهديه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا نصلي على النبي ونطلب من الله أن يصلي عليه وهو مغفور له كامل المنزلة: قد يسأل متسائل: إذا كان الله قد صلى عليه وغفر له، فما فائدة صلاتنا عليه؟ وما معنى طلبنا من الله أن يصلي عليه بدلاً من أن نصلي نحن عليه مباشرة؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
صلاتنا عليه اعتراف بالعجز وإحالة الأمر إلى القادر المطلق: نحن البشر عاجزون بإمكاناتنا المحدودة عن مجازاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكافأته على نعمته العظمى في إيصال الهداية والنجاة إلينا؛ فسألنا الله تعالى القادر العظيم أن يتولى هو بنفسه الصلاة عليه بالقدر الذي يليق بمقامه الشريف؛ لأن صلاة الله غير محدودة في الكمال والرفعة.
صلاتنا عليه عبادة وقربة لأنفسنا: صلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم تعود منافعها العظمى وثمراتها إلينا نحن؛ فمن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وحطت عنه الخطايا، وكُفي همه وغُفر ذنبه كما في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
استمرار الترقي في الدرجات العلى: مقامات القرب عند الله لا نهاية لها؛ فكلما صلت الأمة عليه ارتقى صلى الله عليه وسلم في مراتب الكمال والوسيلة والفضيلة في الملأ الأعلى إلى يوم القيامة.
التأكيد بالمفعول المطلق في (تسليماً): تنبيهاً على أن التسليم له يجب أن يكون مطلقاً لا تشوبه معارضة ولا استنكاف.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم معراج القلوب إلى محبة الله؛ فما من باب أسرع إلى إجابة الدعاء وتفريج الكروب وانشراح الصدور من الإكثار من الصلاة والسلام على الحبيب المصطفى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
نشر ثقافة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المجالس والمؤلفات والخطب والبيوت؛ وتذكير الناس بالصيغة الإبراهيمية الصحيحة المأثورة.
التحذير من البخل والغفلة عند ذكر اسمه الشريف؛ فمن سمع اسم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه فقد استحق الخسران والذلة.
العمل والوجدان الإيماني:
تخصيص ورد يومي ثابت من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ والإكثار منها خاصة في ليلة الجمعة ويومها، مصداقاً للحديث: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ».
الجمع الدائم بين الصلاة والتسليم عليه: «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، وعدم الاكتفاء بأحدهما أو كتابة الرموز المختصرة المشوهة.