اعتراف الأتباع بجريمة التقليد الأعمى: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 344)جامع البيانالطبري٢٠/٣٤٤ وابن كثير (ج 6، ص 450)مصدر غير محدد٦/٤٥٠ عن ابن عباس وقتادة والزهري، أن الكفار في قعر جهنم لما عضهم العذاب وتحسروا على فوات طاعة الله ورسوله، أخذوا يعتذرون بالتبعية والمغلوبية، وقالوا متضرعين في غير حين تضرع: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا}؛ أي أطعنا أمراءنا وقادتنا وأشرافنا وكبراء القبائل الذين قادونا إلى الكفر والتمرد على رسلك، فصدونا عن الصراط المستقيم، وأضلونا سبيل الهدى والنجاة.
القراءات المتواترة في (سادتنا): قرأ الجمهور {سَادَتَنَا} جمع سيد، وقرأ الحسن البصري وابن عامر ويعقوب {سَادَاتِنَا} بكسر التاء وألف بعد الدال على جمع الجمع (سادات جمع سادة). وأثبتت الألف في (السبيلا) وصلاً أو وقفاً مراعاة للفواصل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{سَادَتَنَا}: جمع سيّد، وهو الرئيس المطاع في قومه الذي يُرجع إلى أمره ورأيه.
{كُبَرَاءَنَا}: جمع كبير، وهو العظيم في سنه أو مقامه الاجتماعي وماله وسلطانه.
{السَّبِيلَا}: السبيل هو الطريق الواضح الموصل للغايات؛ والمراد هنا سبيل الحق والإسلام ودين التوحيد.
{إِنَّا أَطَعْنَا}: إن واسمها، وأطعنا فعل وفاعل والجملة خبر إن.
{سَادَتَنَا}: مفعول به منصوب بالفتحة، ونا مضاف إليه.
{وَكُبَرَاءَنَا}: معطوف منصوب، ونا مضاف إليه.
{فَأَضَلُّونَا}: الفاء سببية عاطفة، وأضلونا فعل وفاعل ومفعول به.
{السَّبِيلَا}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة أو منصوب بنزع الخافض أي عن السبيل، وألف الإطلاق للفواصل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح حقيقة التبعية والانسياق الأعمى: ترتبط الآية بما قبلها ارتباط التعليل للمصيبة؛ فبعد أن بكوا على ترك طاعة الله ورسوله في الآية (66)، كشفوا في هذه الآية عن السبب الحقيقي لضلالهم: وهو "طاعة السادة والكبراء"؛ فالتبعية العمياء للقيادات الفاسدة وصرف العقل عن تحكيم الوحي هو المصيبة التي أوردت الأمم موارد الهلاك عبر التاريخ.
التدرج في التصنيف القيادي: عطف {كُبَرَاءَنَا} على {سَادَتَنَا}؛ ليشمل كل أشكال السلطة المضللة: سادة السياسة والحكم، وكبراء الفكر والمال والكهانة؛ فكل من أطاعه الناس في معصية الله فهو من سادات الضلال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة سقوط المسؤولية الجنائية عن الأتباع والمقلدين: قد يدعي من يتأول للمستضعفين أنهم كانوا ضحية تضليل إعلامي وسياسي من قادتهم، فلماذا يعذبون في النار مثلهم؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الإنسان مكلف بعقله وإرادته المستقلة: الله تعالى لم يخلق الإنسان بهيمة تقاد بالحبال، بل منحه عقلاً مميزاً، وسمعاً، وبصراً، وفطرة سوية، وأرسل إليه الرسل بالحجج والبينات؛ فإذا عطل الإنسان عقله وسلم قياده لطاغية أو مضل فإنه شريك أصيل في الجريمة.
بطلان عذر الإكراه في العقائد: هؤلاء الأتباع لم يكونوا مكرهين تحت السيف، بل كانوا يصفقون لقادتهم، وينتصرون لباطلهم، ويقاتلون الرسل دفاعاً عن كبريائهم؛ فاستحقوا العذاب على كسبهم: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}.
إن الآية لا تسوي بين القائد والتابع في مقدار العذاب، فالقائد له عذاب مغلظ على إضلاله وإجرامه، ولكن التابع يناله نصيبه الحتمي من العذاب على كفره وتبعيته.
الإقرار المذل بـ (أطعنا): تصريح بالخيبة؛ فبدل أن يفخروا بطاعة الله ورسوله اعترفوا بأنهم كانوا عبيداً لسادتهم.
تعدية الفعل أضلونا إلى السبيل مباشرة: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}؛ لتصوير أن القادة لم يكتفوا بضلهم عن الطريق، بل جعلوا التيه والضلال نفسه سبيلاً بديلاً مشوا فيه حتى سقطوا في الهاوية.
اللطائف التدبرية والإشارية:
كل ولاء في الدنيا لا يبنى على طاعة الله ورسوله ينقلب يوم القيامة عداوة وبغضاء ولعنة؛ والولاء الحقيقي هو ما كان في الله ولله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تحرير العقل المسلم من التبعية العمياء للأشخاص والأحزاب والرموز؛ فالحق لا يعرف بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله.
التحذير من طاعة المخلوق في معصية الخالق؛ مصداقاً للقاعدة النبوية العظيمة: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ».
العمل والوجدان الإيماني:
وزن أقوال السادة والكبراء والمفكرين بميزان الكتاب والسنة؛ فما وافقهما قبلناه وما خالفهما رددناه على قائله كائناً من كان.
تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده كمعصوم لا يضل ولا يغوي.