قال ابن جرير الطبري (21/118)مصدر غير محدد٢١/١١٨: «يقول تعالى ذكره: واتبع يا محمد ما ينزله عليك ربك من وحيه وقرآنه؛ فاعمل به وبلغه للناس، ودع عنك ما يدعوك إليه هؤلاء المشركون والمنافقون؛ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} يقول: إن الله ذو خبرة وعلم تام بجميع أعمالكم؛ طاعتكم ومعاصيكم، وهو مجازيكم عليها جميعاً».
ونقل ابن كثير (6/364)مصدر غير محدد٦/٣٦٤: «{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}: أي لا تعرج على أقوالهم وأهوائهم، بل الزم ما أنزل الله إليك؛ فإنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم وسيجازي كلاً بعمله».
وقال السعدي (ص 656)مصدر غير محدد٦٥٦: «لما نهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين، دله على البديل الواجب الذي فيه الهدى كله؛ وهو اتباع الوحي المنزل من ربه، وختم بالخبرة بأعمالهم ليرغب في العمل الصالح ويرهب من المخالفة».
القراءات وضبط التلاوة:
قرأ الجمهور: {بِمَا تَعْمَلُونَ} بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته معه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {بِمَا يَعْمَلُونَ} بالياء على الغيبة إشارة إلى الكافرين والمنافقين، وكلا المعنيين متلازمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الاتِّبَاع: المشي في إثر الشيء واقتفاء أثره بدقة دون انحراف؛ واتباع الوحي: العمل بمقتضى نصوصه وأوامره.
الوَحْي: الإشارة السريعة والإعلام الخفي في خفاء وسرعة، والمراد هنا: كلام الله المنزل على نبيه بواسطة جبريل عليه السلام.
الخَبِير: العليم ببواطن الأمور وخفاياها الدقيقة ونتائجها وعواقبها.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَاتَّبِعْ}: الواو عاطفة، اتبع فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لاتبع.
{يُوحَىٰ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ما.
{إِلَيْكَ}: جار ومجرور متعلقان بيوحى.
{مِن رَّبِّكَ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، والجملة الفعلية {يُوحَىٰ إِلَيْكَ} صلة الموصول لا محل لها.
{إِنَّ اللَّهَ}: إن واسمها منصوب بالفتحة.
{كَانَ}: ماض ناقص واسمه مستتر.
{بِمَا}: الباء حرف جر، ما موصولة أو مصدرية، والجار والمجرور متعلقان بخبيراً.
{خَبِيرًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء البديل الإيجابي بعد النهي السلبي:
في الآية الأولى نهى عن طاعة الكافرين والمنافقين: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}.
وهنا في هذه الآية أمر بالمنهج الإيجابي البديل: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}؛ لأن النفس لا تترك شيئاً إلا بما هو خير منه؛ فبديل أهواء البشر وألاعيب الساسة هو الاعتصام بنور الوحي المعصوم.
الالتفات في {بِمَا تَعْمَلُونَ}:
انتقال من خطاب النبي المفرد {وَاتَّبِعْ... إِلَيْكَ} إلى خطاب الأمة جميعاً بالجمع {بِمَا تَعْمَلُونَ}؛ لبيان أن التكليف بالاتباع عام لجميع المسلمين، وأن الجميع تحت رقابة الخبير سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة جمود النص الشرعي وحاجة المجتمع إلى "القوانين الوضعية والمسايرة الزمنية": يدعي العلمانيون وأدعياء التحديث أن الوحي نزل في بيئة قديمة، وأن تطور الدولة يستلزم الاستغناء عن الوحي أو تحويره بما يوافق أهواء الحضارات المعاصرة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تؤصل الآية للمرجعية المعرفية والتشريعية المطلقة في الإسلام؛ فالوحي صادر {مِن رَّبِّكَ} الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه في كل زمان ومكان.
وقوانين البشر يعتريها النقص، والجهل، والهوى، والتأثر بالمصالح الضيقة، بينما الوحي صادر عن "الخبير" المحيط بكل مآلات الأعمال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.
فالاتباع للوحي هو عين التحرر العقلي من عبودية أهواء البشر، وهو الذي يضمن التوازن والعدل في حياة الفرد والمجتمع.
البناء للمجهول في {يُوحَىٰ} مع ذكر الفاعل في {مِن رَّبِّكَ}:
حُذف الفاعل أولاً للعلم به، ثم عُطف بذكره صراحة {مِن رَّبِّكَ} لإبراز صفة التربية والعناية والرحمة الإلهية بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأمته.
صيغة العموم في {مَا يُوحَىٰ}:
كلمة {مَا} تعم كل ما أنزل الله من قرآن وسنة؛ فالسنة وحي ثانٍ كما قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}.
التدبر الإشاري:
السلامة والنجاة في اتباع الوحي؛ فكلما ضاقت بالعبد السبل وتشابكت أمامه الأفكار والآراء، فليعد إلى كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يجد النور والفرقان والمخرج من كل مضيق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الدعوة إلى تحكيم الوحي والرجوع إليه في كل مناحي الحياة، وتفنيد الأطروحات العلمانية التي تحاول تهميش الشريعة.
التوجيه التربوي:
غرس محبة القرآن والسنة في قلوب الجيل الصاعد، وتدريبهم على الاستسلام للنصوص الشرعية بقلب راضٍ.
التوجيه العملي:
مطابقة العمل اليومي لما جاء في الوحي الشريف، والتأكد من صحة العبادات والمعاملات وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجدان الإيماني:
الأمان والسكينة التي تسكن قلب المؤمن المتمسك بالوحي، لعلمه أنه يسير بنور من ربه الخبير بأعماله.